[ آيات النهي عن موالاة اليهود والنصارى:
المعنى الإجمالي وأسباب النزول والآثار العملية والأحكام الفقهية ]
{۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}
{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ}
{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَـٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ}
المعنى الإجمالي للآيات
ينهى الله تعالى المؤمنين تحريماً قاطعاً عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وأنصاراً، مبيناً أنهم يوالون بعضهم بعضاً ضد المسلمين، ومتوعداً من يتولاهم بأنه يصير منهم.
ثم كشف الله عن حال المنافقين (الذين في قلوبهم مرض)؛ إذ يسارعون في موالاة اليهود والنصارى سراً وجهراً، متذرعين بحجة واهية هي:
{نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}،
أي نخشى هزيمة المسلمين فتنفعنا علاقتنا بالكفار. فيرد الله عليهم بأنه سيعز الإسلام إما بفتح (كفتح مكة) أو بأمر من عنده (كإذلال الكفار وفرض الجزية)، وحينها سيندم المنافقون لانفضاح أمرهم. وعندها يتعجب المؤمنون من بطلان أيمان المنافقين الكاذبة التي حلفوها سابقاً وضياع أعمالهم.
أسباب النزول
وردت عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات، ويتركز أهمها في حادثتين:
قصة عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول (عن الزهري، وعطية بن سعد، وعبادة بن الوليد):
لما انتصر المسلمون في بدر، ثم حاربت يهود بني قينقاع رسول الله ﷺ، تمايزت الصفوف:
موقف الإيمان: جاء عبادة بن الصامت إلى النبي ﷺ متبرئاً من حلفه القديم مع اليهود، وقال: “أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم”.
موقف النفاق: تشبث المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول بحلفه معهم، وحين طلب منه النبي ﷺ التبرؤ منهم قال: “إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي”.
فنزلت الآيات تمدح موقف عبادة، وتفضح حجة عبد الله بن أبي ابن سلول.
الخوف بعد غزوة أحد (عن السُّدِّي):
نزلت في رجلين بعد وقائع غزوة أحد؛ أراد أحدهما أن يذهب إلى يهودي فيتهود ويأوي إليه، وأراد الآخر أن يذهب إلى نصراني بالشام ليتنصر ويأوي إليه، طلباً للأمان إذا نزلت بالمسلمين نازلة، فنزلت الآيات تنهاهم عن ذلك.
(وهناك قول عن عكرمة أنها نزلت في أبي لبابة حين بعثه النبي ﷺ إلى بني قريظة، فأشار بيده إلى حلقه محذراً إياهم من الذبح).
أهم الآثار والمواقف العملية للصحابة والتابعين
عن عمر بن الخطاب واستبعاد الكاتب النصراني (عن عياض):
أمر عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعري أن يأتيه بكشف حساباته، فأعجبه دقة الكاتب، وطلب من أبي موسى أن يُدخِل الكاتبَ إلى المسجد ليقرأ كتاباً، فاعتذر أبو موسى بأن الكاتب نصراني.
فغضب عمر وضربه على فخذه وقال: “أخرجوه”، ثم تلا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ…}.
التحذير من الموالاة الخفية (عن عبد الله بن عتبة):
قال محذراً: “ليتقِ أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً، وهو لا يشعر”، وكان يقصد التحذير من الوقوع في الموالاة المنهي عنها في هذه الآية والتي تُلحق صاحبها بهم.
حكم ذبائح نصارى العرب (عن ابن عباس):
سُئل عن ذبائح نصارى العرب (الذين لم يكونوا نصارى أصليين بل دخلوا في النصرانية)، فأفتى بجواز أكل ذبائحهم مستدلاً بقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، أي أنهم بتوليهم للنصارى أخذوا حكمهم في جواز أكل ذبائحهم.
الإجابة المباشرة: هذا القول هو رخصة (إباحة) للمسلمين في أكل تلك الذبائح، ولكنه مبني على توبيخ وحكم قاطع نزل في حق هؤلاء العرب الذين دخلوا في النصرانية.
هذا الاستنباط الفقهي من ابن عباس ليتضح المعنى
١. أساس المشكلة الفقهية
الأصل في الإسلام أنه يجوز أكل ذبائح “أهل الكتاب” (اليهود والنصارى) بنص القرآن: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}.
لكن النصرانية واليهودية هي في الأصل أديان بني إسرائيل، ولم تكن من أديان العرب. فلما تنصرت بعض قبائل العرب (مثل قبيلة تغلب)، تردد المسلمون وسألوا: هل نعامل هؤلاء العرب كـ”أهل كتاب” فتجوز ذبائحهم، أم نعاملهم كـ”مشركي العرب” الوثنيين فتحرم ذبائحهم؟
٢. عبقرية الاستدلال بالآية
الآية التي استدل بها ابن عباس {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} هي في أصلها توبيخ ووعيد شديد. لكن ابن عباس استخدم هذا “التوبيخ” ليثبت حالة فقهية، فقال: بما أن هؤلاء العرب تولوا النصارى وانضموا إليهم، فإن القرآن حكم عليهم حكماً قاطعاً بأنهم “منهم”، أي أنهم انسلخوا من حكم العرب الوثنيين وصاروا في حكم النصارى.
٣. النتيجة المترتبة (الرخصة)
بما أن الآية ألحقتهم بالنصارى وجعلتهم “منهم”، فإذاً ينطبق عليهم ما ينطبق على النصارى في التشريع الإسلامي، ومن أهم هذه التشريعات: جواز أكل ذبائحهم.
الخلاصة: ابن عباس لم يقصد أن الآية تمدحهم، بل استخدم الآية التي “توبخهم وتلحقهم بالكفار” ليثبت صفتهم الدينية الجديدة، وبناءً على هذه الصفة أفتى بالرخصة للمسلمين بجواز أكل ذبيحتهم، لأنهم أخذوا حكم أهل الكتاب.

رد واحد على “[ النهي عن موالاة اليهود والنصارى ]”
«اللهم إني أبرأُ إليك من ولايةِ اليهودِ والنصارى والكفارِ والمشركين، ومن مودّتِهم ونصرتِهم على المؤمنين.»
إعجابLiked by 1 person