وقد جعل النبيُّ ﷺ الجهلَ داءً، وجعل دواءه سؤالَ العلماء:
فروى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «خرجنا في سفرٍ، فأصاب رجلًا منا حجرٌ فشجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصةً في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات.
فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أُخبر بذلك، فقال: قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا! فإنما شفاء العِيِّ السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمَّم، ويعصِر -أو يعصِب- على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده.»
فأخبر أنّ الجهل داءٌ، وأنّ شفاءه السؤال.
وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاءٌ، فقال تعالى:
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾
وقال:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
و«مِن» هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض، فإن القرآن كله شفاءٌ، كما قال في الآية الأخرى. فهو شفاءٌ للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم يُنزِل الله سبحانه من السماء شفاءً قطُّ أعمَّ ولا أنفعَ ولا أعظمَ ولا أنجعَ في إزالة الداء من القرآن.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: «انطلق نفرٌ من أصحاب النبي ﷺ في سَفْرةٍ سافروها حتى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبَوا أن يُضيِّفوهم.
فلُدِغ سيدُ ذلك الحي، فسعَوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلَّه أن يكون عند بعضهم شيء.
فأتوهم فقالوا: أيها الرهط، إن سيدنا لُدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تُضيِّفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعلًا.
فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق يتفُل عليه ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فكأنما نُشِط من عِقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبة.
فأوفَوهم جُعلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسِموا، فقال الذي رقَى: لا نفعل حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر بما يأمرنا. فقدِموا على رسول الله ﷺ فذكروا له ذلك، فقال: وما يُدريك أنها رقيةٌ؟ ثم قال: قد أصبتم، اقتسِموا واضرِبوا لي معكم سهمًا.»
فقد أثَّر هذا الدواءُ في هذا الداء، وأزاله حتى كأن لم يكن، وهو أسهل دواءٍ وأيسره. ولو أحسن العبدُ التداويَ بالفاتحة لرأى لها تأثيرًا عجيبًا في الشفاء.
ومكثتُ بمكة مدةً تعتريني أدواءٌ، ولا أجد طبيبًا ولا دواءً، فكنتُ أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيرًا عجيبًا، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألمًا، وكان كثيرٌ منهم يبرأ سريعًا.
ولكن هاهنا أمرٌ ينبغي التفطُّن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يُستشفى بها ويُرقى بها هي في نفسها نافعةٌ شافيةٌ، ولكنها تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره.
فمتى تخلَّف الشفاء كان ذلك لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانعٍ قويٍّ فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية؛ فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانعٍ قويٍّ يمنع من اقتضائه أثره.
فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبولٍ تامٍّ كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرُّقى والتعاويذ بقبولٍ تام، وكان للراقي نفسٌ فعَّالةٌ وهمةٌ مؤثرةٌ، أثَّر في إزالة الداء.
وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره؛ إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاءً لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرَّخْو جدًّا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورَيْن الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها.
كما في صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ.»
فهذا دواءٌ نافعٌ مزيلٌ للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تُبطل قوله.
وكذلك أكل الحرام يُبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أيها الناس، إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ »
ثم ذكر الرجلَ يُطيل السفر أشعثَ أغبرَ يمدُّ يده إلى السماء: يا ربِّ يا ربِّ، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذِّي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك !
وذكر عبدُ الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاءٌ فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: تخرجون إلى الصعيد بأبدانٍ نجسة، وترفعون إليَّ أكفًّا قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا منّي إلا بُعدًا.
وقال أبو ذر رضي الله عنه: يكفي من الدعاء مع البِرِّ ما يكفي الطعامَ من الملح.
📚كـتــاب: الداء والدواء
