[ تَلْبِيسِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَذَانِ والصلاة ]

تلبيس إبليس

ذِكْرُ تَلْبِيسِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَذَانِ
ومن ذلك التلحين في الأذان، وقد كَرِهَه مالك بن أنس وغيره من العلماء كراهية شديدة؛ لأنه يخرجه عن موضع التعظيم إلى مشابهة الغناء. ومنه أنهم يخلطون أذان الفجر بالتذكير والتسبيح والمواعظ، ويجعلون الأذان وسطًا فيختلط، وقد كره العلماء كل ما يُضاف إلى الأذان.
وقد رأينا من يقوم بالليل كثيرًا على المنارة فيعظ ويذكِّر، ومنهم من يقرأ سورًا من القرآن بصوت مرتفع فيمنع الناس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم، وكل ذلك من المنكرات.
ذِكْرُ تَلْبِيسِهِ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ
من ذلك تلبيسه عليهم في الثياب التي يُستتر بها، فترى أحدهم يغسل الثوب الطاهر مرارًا، وربما لمَسه مسلمٌ فيغسله. ومنهم من يغسل ثيابه في دجلة لا يرى أن غسلها في البيت يُجزئ، ومنهم من يُدليها في البئر كفعل اليهود، وما كانت الصحابة تعمل هذا؛ بل قد صلَّوا في ثياب فارس لما فتحوها، واستعملوا أوطئتهم وأكسيتهم.
ومن الموسوسين من يقطر عليه قطرة ماء فيغسل الثوب كله، وربما تأخر لذلك عن صلاة الجماعة، ومنهم من ترك الصلاة جماعةً لأجل مطر يسير يخاف أن ينتضح عليه. ولا يظن ظانٌّ أنني أمتنع من النظافة والورع، ولكن المبالغة الخارجة عن حد الشرع المضيِّعة للزمان هي التي ننهى عنها.
ومن ذلك تلبيسه عليهم في نية الصلاة، فمنهم من يقول: أصلي صلاة كذا، ثم يعيد هذا ظنًّا منه أنه قد نقض النية، والنية لا تُنقض وإن لم يَرضَ اللفظَ. ومنهم من يكبِّر ثم ينقض، ثم يكبِّر ثم ينقض، فإذا ركع الإمام كبَّر الموسوس وركع معه؛ فليت شعري ما الذي أحضر النية حينئذٍ؟ وما ذاك إلا لأن إبليس أراد أن يُفوِّته الفضيلة.
ومن الموسوسين من يحلف بالله لا كبَّر غير هذه المرة، ومنهم من يحلف بالله بالخروج من ماله أو بالطلاق، وهذه كلها تلبيسات إبليس، والشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات، وما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه شيء من هذا.
وقد بلغنا عن أبي حازم أنه دخل المسجد فوسوس إليه إبليس أنك تصلي بغير وضوء، فقال:
«ما بلغ نُصحك إلى هذا.»
وكشف هذا التلبيس أن يُقال للموسوس: إن كنت تريد إحضار النية فالنية حاضرة؛ لأنك قمت لتؤدي الفريضة، وهذه هي النية، ومحلها القلب لا اللفظ. وإن كنت تريد تصحيح اللفظ، فاللفظ لا يجب، ثم قد قلته صحيحًا، فما وجه الإعادة؟ أفتراك تظن – وقد قلت – أنك ما قلت؟ هذا مرض.
قال المصنف: وقد حكى ابن عقيل حكايةً عجيبة، أن رجلًا لقيه فقال: إني أغسل العضو وأقول: ما غسلته، وأكبِّر وأقول: ما كبَّرت. فقال له ابن عقيل: دع الصلاة فإنها ما تجب عليك. فقال قومٌ لابن عقيل: كيف تقول هذا؟ فقال لهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«رُفع القلم عن المجنون حتى يفيق.»
ومن يكبِّر ويقول: ما كبَّرت، فليس بعاقل، والمجنون لا تجب عليه الصلاة.
قال المصنف: واعلم أن الوسوسة في نية الصلاة سببها خَبَلٌ في العقل وجهلٌ بالتسرع، ومعلوم أن من دخل عليه عالمٌ فقام له، وقال: نويتُ أن أنتصب قائمًا لدخول هذا العالم لأجل علمه، مقبلًا عليه بوجهي – صفةً في عقله – فإن هذا قد تصوَّر في ذهنه منذ رأى العالم. فقيام الإنسان إلى الصلاة ليؤدي الفرض أمرٌ يتصور في النفس في حالة واحدة لا يطول زمانه، وإنما يطول زمان نظم هذه الألفاظ، والألفاظ لا تلزم.
والوسواس جهلٌ محض، وإن الموسوس يكلِّف نفسه أن يحضر في قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها، وهو يطالعها، وذلك محال، ولو كلَّف نفسه ذلك في القيام للعالم لتعذَّر عليه. فمن عرف هذا عرف النية، ثم إنه يجوز تقديمها على التكبير بزمان يسير ما لم يفسخها، فما وجه هذا التعب في إلصاقها بالتكبير، على أنه إذا حصَّلها ولم يفسخها فقد التصقت بالتكبير؟
وعن مِسوَر، قال: أخرج إليّ معن بن عبد الرحمن كتابًا، وحلف بالله أنه خط أبيه، وإذا فيه:
«قال عبد الله: والذي لا إله غيره، ما رأيت أحدًا كان أشد على المتنطعين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رأيت بعده أشد خوفًا عليهم من أبي بكر، وإني لأظن عمر كان أشد أهل الأرض خوفًا عليهم.»
فصل
ومن الموسوسين من إذا صحت له النية وكبَّر، ذهل عن باقي صلاته، كأن المقصود من الصلاة التكبير فقط، وهذا تلبيس يكشفه أن التكبير يراد للدخول في العبادة، فكيف تُهمل العبادة وهي كالدار، ويُقتصر على التشاغل بحفظ الباب؟
فصل
ومن الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام، وقد بقي من الركعة يسير، فيستفتح ويستعيذ، فيركع الإمام، وهذا تلبيس أيضًا؛ لأن الذي شرع فيه من التعوذ والاستفتاح مسنون، والذي تركه من قراءة الفاتحة وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء، فلا ينبغي أن يُقدَّم عليه سنة.
قال المصنف: وقد كنت أصلي وراء شيخنا أبي بكر الدِّينَوَري الفقيه في زمان الصِّبا، فرآني مرة أفعل هذا، فقال:
«يا بني، إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يختلفوا في أن الاستفتاح سنة، فاشتغل بالواجب ودع السنن.»

📚كـتــاب: تلبيس إبليس


اكتشاف المزيد من جوامع الكلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.