تلبيس إبليس في ترك السنن بدعوى الإخلاص:
وقد لبس إبليس على قوم فتركوا كثيرًا من السنن لأوهامٍ وقعت في نفوسهم؛ فمنهم من كان يتخلف عن الصف الأول ويقول: إنما أراد قرب القلوب، ومنهم من لم يضع يدًا على يد في الصلاة وقال: أكره أن أُظهر من الخشوع ما ليس في قلبي. وقد روينا هذين الفعلين عن بعض أكابر الصالحين، وهذا أمر أوجبه قلة العلم.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها». وأما وضع اليد على اليد فسنة، فعن ابن الزبير -رضي الله عنهما- قال: «وضع اليد على اليد من السنة»، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى.
قال المصنف: ولا يكبرنَّ عليك إنكارنا على من قال: (أراد قرب القلوب) و(لا أضع يدًا على يد) وإن كان من الأكابر؛ فإن الشرع هو الحاكم لا نحن. وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: إن ابن المبارك يقول كذا وكذا، فقال: إن ابن المبارك لم ينزل من السماء.
وقيل له: قال إبراهيم بن أدهم، فقال: جئتموني ببنيات الطريق! عليكم بالأصل. فلا ينبغي أن يُترك الشرع لقول مُعظَّمٍ في النفس، فإن الشرع أعظم، والخطأ في التأويل جارٍ على الناس، ومن الجائز أن تكون الأحاديث لم تبلغه.
تلبيس إبليس في المبالغة في مخارج الحروف والتنطع:
وقد لبس إبليس على بعض المصلين في مخارج الحروف؛ فتراه يقول: (الحمد الحمد)، فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة، وتارة يلبّس عليه في تحقيق التشديد، وتارة في إخراج ضاد (المغضوب). ولقد رأيت من يقول (المغضوب) فيُخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده! وإنما المراد تحقيق الحرف فحسب، وإبليس يُخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق، ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة وتدبرها، وكل هذه الوساوس من إبليس.
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه كان يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر، فلما سلم قيل له: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة كصلاة رسول الله ﷺ أم شيء تنفلته؟ قال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ، ما أخطأتُ إلا شيئًا سهوت عنه. إن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم؛ فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديورات {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}».
وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه- قال: قلت لرسول الله ﷺ: إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله ﷺ: «ذاك شيطان يقال له خِنْزَبٌ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ثلاثًا، واتفل عن يسارك». قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.
تلبيس إبليس في الإخلال بالواجبات والسنن مع كثرة العبادة
وقد لبس إبليس على خلق كثير من جُهّال المتعبدين؛ فرأوا أن العبادة هي القيام والقعود فحسب، وهم يدأبون في ذلك ويُخِلُّون ببعض واجباتهم ولا يعلمون. وقد تأملت جماعة يسلمون إذا سلم الإمام، وقد بقي عليهم من التشهد الواجب شيء، وذلك لا يحمله الإمام عنهم. ولبس على آخرين منهم؛ فهم يطيلون الصلاة ويكثرون القراءة، ويتركون المسنون في الصلاة ويرتكبون المكروه فيها.
وقد دخلت على بعض المتعبدين وهو يتنفل بالنهار ويجهر بالقراءة، فقلت له: إن الجهر بالقراءة بالنهار مكروه، فقال لي: أنا أطرد النوم عني بالجهر! فقلت له: إن السنن لا تُترك لأجل سهرك، ومتى غلبك النوم فنم؛ فإن لنفسك عليك حقًا. وعن بريدة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «من جهر بالقراءة في النهار فارجموه بالبعر».
تلبيس إبليس في الإفراط في قيام الليل وتضييع الفرائض
وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل، وفيهم من يسهره كله، ويفرح بقيام الليل وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض! ثم يقع نائمًا قبيل الفجر فتفوته الفريضة، أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته.
ولقد رأيت شيخًا من المتعبدين يمشي كثيرًا من النهار في المسجد، فسألت عن سبب مشيه، فقيل لي: لئلا ينام! فقلت: هذا جهل بمقتضى الشرع والعقل. أما الشرع: فإن النبي ﷺ قال: «إن لنفسك عليك حقًا، فقم ونم»، وكان يقول: «عليكم هديًا قاصدًا؛ فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه».
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: «ما هذا؟»، قالوا: لزينب؛ تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: «حلوه، ليصلي أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد».
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا نعس أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيسب نفسه». قال المصنف: هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، وانفرد البخاري بالذي قبله.
وأما العقل: فإن النوم يجدد القوى التي قد كَلَّت بالسهر، فمتى دفعه الإنسان وقت الحاجة إليه أضرّ في بدنه وعقله، فنعوذ بالله من الجهل.
فإن قال قائل: فقد رُوي لنا أن جماعة من السلف كانوا يحيون الليل؟ فالجواب: أولئك تدرجوا حتى قدروا على ذلك، وكانوا على ثقة من حفظ صلاة الفجر في الجماعة، وكانوا يستعينون بنومة القيلولة مع قلة المطعم وصح لهم ذلك. ثم إنه لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ سهر ليلة لم ينم فيها، وسنته هي المتبوعة.
تلبيس إبليس في إظهار العبادات والوقوع في الرياء
وقد لبس إبليس على جماعة من قُوّام الليل فتحدثوا بذلك في النهار؛ فربما قال أحدهم: (فلان المؤذن أذن في وقت كذا)، ليعلم الناس أنه كان منتبهًا! فأقل ما في هذا -إن سلم من الرياء- أن يُنقل عمله من ديوان السر إلى ديوان العلانية فيقِلَّ الثواب.
ولبس على آخرين انفردوا في المساجد للصلاة والتعبد فعُرفوا بذلك، واجتمع إليهم ناس فصلوا بصلاتهم وشاع بين الناس حالهم، وذلك من دسائس إبليس؛ وبه تقوى النفس على التعبد لعلمها أن ذلك يشيع ويوجب المدح. وعن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «إن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة». قال المصنف: أخرجاه في الصحيحين.
وكان عامر بن عبد قيس يكره أن يروه يصلي، وكان لا يتنفل في المسجد. وكان ابن أبي ليلى إذا صلى ودخل عليه داخل اضطجع.
ولبس على قوم من المتعبدين؛ فكانوا يبكون والناس حولهم. وهذا البكاء قد يقع غلبةً فلا يمكن دفعه، لكن من قدر على ستره فأظهره فقد تعرض للرياء.
وعن عاصم قال: كان أبو وائل إذا صلى في بيته نشج نشيجًا، ولو جُعلت له الدنيا على أن يفعله وواحد يراه ما فعله. وقد كان أيوب السختياني إذا غلبه البكاء قام.
تلبيس إبليس بالانشغال بالنوافل عن إصلاح الباطن
وقد لبس على جماعة من المتعبدين؛ فتراهم يصلون الليل والنهار، ولا ينظرون في إصلاح عيب باطن، ولا في تحري الحلال في المطعم، والنظر في ذلك أولى بهم من كثرة التنفل.
تلبيس إبليس على القراء في تلاوة القرآن
وقد لبس على قوم بكثرة التلاوة؛ فهم يَهُذُّونَهُ هَذًّا من غير ترتيل ولا تثبت، وهذه حالة ليست بمحمودة.
وقد رُوي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقرؤون القرآن في كل يوم، أو في كل ركعة، وهذا يكون نادرًا منهم، ومن داوم عليه فإنه وإن كان جائزًا إلا أن الترتيل والتثبت أحب إلى العلماء. وقد قال رسول الله ﷺ: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث».
قال المصنف: وقد لبس إبليس على قوم من القراء؛ فهم يقرؤون القرآن في منارة المسجد بالليل بالأصوات المجتمعة المرتفعة الجزء والجزأين، فيجمعون بين أذى الناس في منعهم من النوم، وبين التعرض للرياء. ومنهم من يقرأ في مسجده وقت الأذان؛ لأنه حين اجتماع الناس في المسجد.
ومن أعجب ما رأيت فيهم أن رجلًا كان يصلي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة، ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين ويدعو دعاء الختمة؛ ليعلم الناس أنه قد ختم الختمة! وما هذه طريقة السلف؛ فإن السلف كانوا يسترون عبادتهم.
وكان عمل الربيع بن خثيم كله سرًا، فربما دخل عليه الداخل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه، وكان أحمد بن حنبل يقرأ القرآن كثيرًا ولا يُدرى متى يختم.
قال المصنف: قد سبق ذكر جملة من تلبيس إبليس على القراء، والله أعلم بالصواب وهو الموفق.
📚كـتــاب: تلبيس إبليس

رد واحد على “[ تلبيس إبليس في العبادات والصلاة ]”
لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء .
إعجابLiked by 1 person