وإذا كانت المحبَّةُ من الجانِبَيْن استراحَ بها كلُّ واحدٍ من المُحبَّيْن، وسكَّنَ ذلك بعضَ ما به، وعدَّه نوعاً من الوِصَال المريح للقلب البشري.
وقالت امرأةٌ من العرب في هذا المعنى:
حَجَجْتُ ولم أحْجُجْ لذنبٍ عمِلتُه
ولكن لتُعْدِيني عَلَى قاطع الحَبْلِ
ذهبتُ بعقلي في هَواهُ صغيرةً
وقد كَبِرَتْ سِنِّي فرُدَّ به عَقلي
وإلا فسوِّ الحبَّ بيني وبينَه
فإنَّكَ يا مولايَ تُوصَفُ بالعَدْل
وقال آخر مسنداً شكواه إلى بارئه ومستروحاً بالعدل في الحب:
فيا ربِّ أشْغِلْها بحبِّي كما بِها
شَغَلْتَ فُؤادي كي يَخِفَّ الذي بِيا
وقالت امرأةٌ تعاتب بَعْلَها: أسألُ الذي قسمَ بين العباد معايشَهم أن يَقْسِمَ الحبَّ بيني وبينَك برأفته ورحمته. ثم أنشدت تقول:
أدعو الذي صَرَفَ الهَوى
منِّي إليكَ وَمِنْكَ عَنِّي
أنْ يَبْتَلِيْكَ بما ابتَلا
نِي أو يَسُلَّ الحبَّ مني
وقال آخر يرجو السلوان والتكافؤ في المودة:
فيا ربِّ إنْ لم تَقْسِمِ الحُبَّ بيننا
بشَطْرَينِ فاجْعلْني عَلَى هجْرِها جَلْدا
وأعْقِبْنيَ السُّلوانَ عنها ورُدَّ لي
فُؤاديَ مِن سَلْمى أُثِبْكَ به حَمداً
وقال أبو الهُذَيْل العَلَّاف: لا يجوز في دَوْر الفلك، ولا في تركيب الطبائع، ولا في الواجب، ولا في المُمكن أن يكونَ محبٌّ ليس لمحبوبه إليه ميلٌ بوجه من الوجوه.
وإلى هذا المذهب ذهبَ أبو العباس الناشئ حيث يقول موضحاً ذلك الأثر:
عيناكِ شاهِدَتان أنَّكِ مِن
حَرِّ الهَوى تجدينَ ما أجِدُ
بكِ ما بِنا لكنْ على مَضضٍ
تتَجَلَّدِينَ ومَا بِنَا جَلَدُ
وقال أبو عُيَيْنَة في وصف تماثل الوجد والسهر بين المحبين:
تبيتُ بنا تَهْذِي وأَهْذِي بذكرِها
كِلانا يُقاسي اللَّيلَ وهو مُسهَّدُ
وما رَقدت إلا رأتني ضَجِيعَها
كذاك أراها في الكرى حين أرقُدُ
تُقِرُّ بذنبي حين أغفُو ونلتقي
وأسألُها يقظان عنه فتجحدُ
كلانا سواءٌ في الهوى غير أنَّها
تجلَّدُ أحياناً وما لي تجلُّدُ
وقال عُرْوَةُ بن أُذيْنة في تمازج المشاعر الفطرية:
إنَّ التي زَعمت فؤادَك ملَّها
خُلِقَتْ هواكَ كما خُلِقْتَ هوىً لها
فبكَ الذي زعمتْ بها فكلاكُما
أبدى لصاحبِه الصَّبابةَ كلَّها
فإذا تشاكلت النفوس وتمازجت الأرواح وتفاعلت؛ تفاعلت عنها الأبدان بالضرورة، وطلبت نظيرَ الامتزاج والجوار الذي وقع بين الأرواح. فإن البدن آلةُ الرُّوح ومَركَبُه في هذه الحياة الدنيا.
وبهذا ركَّبَ اللهُ سبحانه شهوةَ الجماع بين الذكر والأنثى طلبًا للامتزاج والاختلاط بين البدنين، كما هو مستقرٌّ بين الرُّوحين. ولهذا يُسمَّى في لسان الشرع والعرف جماعًا وخِلاطًا ونكاحًا وإفضاءً؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما يُفضي إلى صاحبه، فيزول الفضاءُ والحجاب بينهما تماماً.
فإن قيل: فهذا يُوجِبُ تأكُّدَ الحبِّ بالجماع وقوَّتَه به، والواقعُ في تجارب الناس خلافُه، فإنَّ الجماع يُطْفِئ نارَ المحبَّة، ويُبرِّد حرارتَها، ويُسكِّن نفسَ المحبِّ وينقص ولَعها.
قيل في الجواب: الناس مختلفون في هذا الباب تباعداً وقرباً. فمنهم من يكون بعد الجماع أقوى محبَّةً، وأمكنَ وأثبتَ في الهوى ممَّا كان قبله. ويكون في حاله تلك بمنزلة من وُصف له شيء ملائمٌ لنفسه فأحبَّه، فلمَّا ذاقه وعرفه كان له أشدَّ محبَّةً، وإليه أشدَّ اشتياقاً ونزوعاً.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث عروج الملائكة إلى ربِّهم، أنه سبحانه يسألهم عن عباده ـ وهو أعلم بهم ـ فيقولون:
«إنهم يُسبِّحونكَ، ويُمجِّدونك، ويقدّسونك».
فيقول سبحانه وتعالى: «وهل رأوني؟» فيقولون: لا. فيقول جل جلاله: «فكيف لو رأوني؟» فتقولُ الملائكة: لو رأوك لكانوا أشدَّ تسبيحًا وتقديسًا وتمجيدًا. ثم يقولون: ويسألونك الجنَّة، فيقولُ: «وهل رأوها؟» فيقولون: لا. فيقولُ: «فكيف لو رأوها؟» فتقولُ الملائكة: لو رأوها لكانوا أشدَّ لها طلبًا وأشدَّ عليها حرصاً.
ومعلومٌ استقراراً: أنَّ محبةَ من ذاق الشيء الملائمَ وعَدِمَ صَبْرَه عنه أقوى بكثير من محبة من لم يَذُقْه قط، بل نفسه ما زالت مفطومةً عنه. ولذلك فإن المودَّةَ الشرعية التي تكون بين الزوجين والمحبةَ المستقرة بعد الجماع أعظمُ بكثير من تلك التي كانت قبله في عهد الخطبة والوعود.
والسببُ الطبيعي في هذا الخفاء أنَّ شهوةَ القلب ممتزجةٌ بلذَّة العين. فإذا رأتِ العينُ الحَسَنَ اشتهى القلبُ لقاءه. فإذا باشرَ الجسمُ الجسمَ؛ اجتمعت شهوةُ القلب ولذَّةُ العين ولذةُ المباشرة معاً. فإذا فارقَ هذه الحال بعد ذوقها كان نِزَاعُ نفسه إليها أشدَّ، وشوقُه إليها أعظمَ، كما قيل في مأثور الشعر:
وأكثرُ ما يكونُ الشَّوقُ يومًا
إذا دَنَتِ الدِّيارُ من الدِّيار
ولذلك يتضاعفُ الألمُ والحسرةُ في قلب من رأى محبوبَه أو باشرَه ثم حِيلَ بينه وبينَه لسبب من الأسباب. فتضاعُفُ ألَمِه وحسرتِه يكون في مقابلة مضاعفة لذّة من عاوده ووصله.
وهذا الأمر في جانب المرأة أقوى وأشد، فإنها إذا ذاقت عُسَيْلَةَ الرَّجل ـ ولا سيما أوَّل عُسَيْلَة في الحلال ـ لم تكدْ تصبرُ عنه بعد ذلك أبداً. قال أيمن بن خُرَيم في هذا المعنى:
يُميتُ العتابَ خِلاطُ النساءِ
ويُحيي اجتنابُ الخِلاطِ العِتابا
وتزوَّج زهير بن مسكين الفِهْري جاريةً، ولم يكن عنده من المال ما يُرضيها به ويقضي وطرها. فلما أمكنته من نفسها لم تَرَ عنده ما ترضى به من الكفاية، فذهبت ولم تَعُدْ إليه بعد ذلك. فقال في ذلك أشعاراً كثيرةً يندب حظَّه، منها قوله:
تقولُ وقد قَبَّلْتُها ألفَ قُبْلَةٍ
كفاكَ أما شيءٌ لَدَيْكَ سِوى القُبَلْ
فقلتُ لها حبٌّ على القلب حفظُه
وطولُ بُكاءٍ تستفيضُ له المُقَلْ
فقالت لعمرُ الله ما لَذّةُ الفتى
من الحبِّ في قولٍ يُخالفه الفِعَلْ
وقال آخر يصف حاجة النفس إلى تمام الوصل الفطري:
رأت حُبِّي سعادُ بلا جماعٍ
فقالت حَبلُنَا حَبْلُ انقطاعِ
ولستُ أُرِيدُ حُبًّا ليس فيه
متاعٌ منكَ يدخلُ في متاعي
فلو قبَّلْتَنِي ألفًا وألفًا
لما أُرضيتُ إلا بالجِمَاعِ
إذا ما الصَّبُّ لم يكُ ذا جِمَاعٍ
يَرى المحبوبَ كالشيءِ المُضَاعِ
جِماعُ الصَّبِّ غايةُ كُلِّ أُنْثَى
وداعيهِ لأهلِ العِشْق دَاعِي
فقلْتُ لها وقد ولَّتْ تعالَيْ
فإنَّكِ بعد هذا لن تُرَاعِي
وإنكِ لو سألتِ بقاءَ يومٍ
خليٍّ عن جِمَاعِكِ لن تُطاعِي
فقالتْ مَرْحَبًا بفتىً كريمٍ
ولا أهلًا بِذي الخَنَعِ اليَرَاعِ
إذا ما البعلُ لم يكُ ذا جِماعٍ
يُرى في البيت مِنْ سَقَطِ المَتاع
وقال آخر في معاتبة عدم نيل المراد:
ولما شكوتُ الحبَّ قالت كذبتَني
فكم زَورةٍ منِّي قصدتُك خاليا
فما حُلَّ فيها من إزارٍ للذَّةٍ
فعدتُ وحاجاتُ الفُؤادِ كما هِيا
وهل راحةٌ للمرءِ في وِردِ مَنْهَلٍ
ويَرْجِعُ بعد الوِرْد ظمآنَ صادِيا؟
وقال العباس بن الأحنف مؤكداً أن الصفاء لا يكمل إلا بالبلوغ للتحقق:
لم يَصْفُ وصلٌ لمعشوقَين لم يَذُقا … وصلًا يَجِلُّ على كل اللَّذاذات
وقال هُدْبَة بن الخَشْرَم في وصف غاية الوصل الحسي وتكامله:
والله ما يَشْفي الفؤادَ الهائما
نفثُ الرُّقَى وعَقْدُكَ التَّمائما
ولا الحديثُ دون أنْ تُلازِما
ولا اللِّزامُ دُون أن تُفاغِما
وتعْلُوَ القَوائِمُ القَوائِما
وقال آخر يبين رغبته في النكاح الشرعي لا مجرد التملي بالنظر:
قولا لعاتكَة التي
في نظرةٍ قضَتِ الوَطَرْ
إنِّي أُريدكِ للنكَا
ح ولا أُريدكِ للنظرْ
لوْ كانَ هذا بُغْيَتي
لَقَنِعْتُ منها بالقَمَرْ
وقال آخر في تفصيل الدواء الحسي الظاهر:
دواءُ الحبّ تقبيلٌ وشَمٌّ
ووضعٌ للبُطونِ على البُطونِ
ورَهْزٌ تذرفُ العينانِ منه
وأخذٌ بالمناكب والقرون
وقالت امرأةٌ وقد طُلبت منها المحادثة والمسامرة دون نيل مقصود النكاح:
لَيْسَ بِهذا أَمَرتْنِي أُمِّي
ولا بتقبيلٍ ولا بِشَمِّ
لكن جِمَاعاً قد يُسلِّي هَمِّي
يَسْقُطُ منه خاتَمِي في كُمِّي
وقد كشف بعض الشعراء عن السبب الفلسفي والطبيعي في ذلك حيث يقول:
لو ضَمَّ صَبٌّ إِلْفَه ألْفاً لَمَا
أجدَى وزادتْ لوعةٌ وغَرامُ
أرواحُهم من قَبْلِ ذاك تألَّفَتْ
فتألَّفَتْ مِن بَعْدِها الأجسامُ
وقال آخر مستفتياً ومبيناً الفرق الشاسع بين الحلال والحرام:
سألتُ فقيهَ الحُبِّ عن عِلَّة الهَوى
وقلتُ له أشكُو إلى الشَّيْخ حَالِيا
فقالَ دواءُ الحبِّ أن تُلْصِقَ الحَشا
بأحشاءِ منْ تهوى إذا كنتَ خَالِيا
وتَتَّحدَا من بعد ذاك تعانُقًا
وتَلْثِمَه حتى يُرى لك ناهِيا
فتقضيَ حاجاتِ الفُؤادِ بأسرِها
على الأمن ما دامَ الحبيبُ مُواتِيا
إذا كانَ هذا في حلالٍ فحبَّذا
وصالٌ به الرَّحمنُ تلقاهُ راضِيا
وإن كان هذا في حرامٍ فإنَّه
عذابٌ به تَلْقَى العَنا والمَكاوِيا
قال هؤلاء المحققون: ولا يستحكم الحبُّ استحكاماً كلياً إلا بعد أن يَشُقَّ الرجلُ رداءَه من الوجد، وتشقَّ المرأةُ المعشوقةُ بُرْقُعَهَا من الحياء والتسليم. كما قال الشاعر في وصف هذا التبذل في المحبة:
إذا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بالبُرْد بُرْقعٌ
دَوَالَيْكَ حتى كلُّنا غيرُ لابسِ
فَكَمْ قد شَقَقْنا مِن رِداءٍ مُحَبَّرٍ
ومن بُرْقُعٍ عن طَفْلةٍ غيرِ عانس.
📚كـتــاب: روضة المحبين ونزهة المشتاقين .

رد واحد على “«دَوَاءُ السَّهْمِ المَسْمُومِ: أَحْكَامُ النَّظَرِ»”
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
إعجابLiked by 1 person