❧ ✦ ❧
فوائد غضِّ البصر وآفاتُ إرساله
❧ ✦ ❧
عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتَّقوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساء».
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أَخْوَفُ ما أَخافُ على أُمَّتي النِّساءُ والخَمْرُ».
أخرجه محمد بن إسحاق السَّراج في مسنده
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «لم يكفُر مَنْ كفر ممَّن مضى إلا من قِبَلِ النساء، وكفرُ من بقي مِنْ قِبَلِ النساء».
فصل
في غضِّ البصر عِدَّةُ فوائد جليلة، نذكر منها ما يلي:
الفائدة الأولى: تخليص القلب من ألم الحسرة
مَنْ أطلق نظرَه دامت حسرتُه؛ فأضرُّ شيءٍ على القلب إرسالُ البصر، فإنَّه يُريه ما يشتدُّ طلبُه، ولا صبرَ له عنه، ولا وصولَ له إليه، وذلك غايةُ ألمه وعذابه.
قال الأصمعي: رأيتُ جاريةً في الطَّواف كأنَّها مَهَاةٌ، فجعلتُ أنظر إليها وأملأُ عيني من محاسنها، فقالت لي: يا هذا، ما شأنُكَ؟ قلت: وما عليكِ من النَّظر؟ فأنشأت تقول:
وكنتَ متى أرسلْتَ طَرْفَك رائدًا لقلبِكَ يومًا أتعَبَتْك المناظرُ رأيتَ الذي لا كلُّه أنتَ قادرٌ عليه ولا عَنْ بعضِه أنتَ صابرُ
والنَّظرةُ تفعلُ في القلب ما يفعلُ السَّهمُ في الرَّميَّة، فإن لم تقتله جرحتْه. وهي بمنزلة الشَّرارة من النَّار تُرمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقْه كلَّه أحرقتْ بعضَه، كما قيل:
كلُّ الحوادث مَبْداها من النَّظر ومُعْظَمُ النَّار من مُسْتَصْغَرِ الشَّرر كم نظرةٍ فتكَتْ في قلبِ صاحبها فَتْكَ السِّهام بلا قَوْسٍ ولا وَتَر والمرءُ ما دامَ ذا عينٍ يُقَلِّبُها في أعينِ الغِيدِ موقوفٌ على الخَطَر يَسُرُّ مقلتَه ما ضرَّ مهجتَه لا مرحبًا بسرورٍ عاد بالضَّرر
والناظرُ يَرمي مَنْ نظرَه بسهامٍ غَرَضُها قلبُه وهو لا يَشعُر، فهو إنما يرمي قلبَه. وفي ذلك:
يا راميًا بسهام اللَّحظِ مُجتهدًا أنتَ القتيلُ بِما ترمي فلا تُصِب وباعثَ الطَّرفِ يَرتادُ الشِّفاءَ له تَوَقَّه إنَّه يأتيكَ بالعَطَب
تزوَّدَ منها نظرةً لم تَدَعْ له فؤادًا ولم يَشعُرْ بما قَدْ تزوَّدا فَلَمْ أرَ مَقتولًا ولَمْ أرَ قاتِلًا بغيرِ سلاحٍ مثلَها حِيْنَ أقصَدا — الفرزدق
ومن كان يُؤتَى من عدُوٍّ وحاسدٍ فإنِّيَ مِنْ عيني أُتيتُ ومِنْ قلبي هُما اعتَوَرَاني نظرةً ثُمَّ فِكْرَةً فما أبقيا لي من رقادٍ ولا لُبّ
رَمَاني بها طَرْفي فلم تُخطِ مَقتَلي وما كلُّ من يُرمى تُصابُ مَقاتِلُه إذا مِتُّ فابكُوني قتيلًا لطَرْفِه قتيلُ صديقٍ حاضرٍ ما يُزايلُه
مُتيَّمٌ يَرعى نجومَ الدُّجى يَبكي عليهِ رحمةً عاذِلُه عيني أشاطتْ بدمي في الهوى فابكُوا قتيلًا بعضُه قاتلُه — ابن المعتز
وأنا الذي اجْتَلَبَ المَنِيَّةَ طَرْفُهُ فمَنِ المُطالَبُ والقَتيلُ القاتِلُ؟!
يا نظرةً نفَتِ الرُّقَادَ وغادرَتْ في حدِّ قلبي ما بَقيتُ فُلولا كانت من الكَحلاءِ سُؤلي إنَّما أجَلي تَمَثَّل في فؤادي سُولا — المتنبي
وُقِيَ الأميرُ مِنَ العُيونِ فإنَّه ما لا يَزُولُ ببأسِهِ وسَخَائِهِ يستَأسِرُ البطَلَ الكَمِيَّ بنظرةٍ ويحولُ بَينَ فؤادِه وعَزائِهِ — الصُّوري
إذا أنتَ لم تَرعَ البروقَ اللَّوامحا ونمتَ جَرى مِن تحتِك السَّيلُ سائِحا غَرَستَ الهوى باللَّحظِ ثُمَّ احتقرتَه وأهملتَه مُستأنِسًا مُتسامِحا ولم تَدرِ حتَّى أينعَتْ شَجَراتُه وهبَّت رياحُ الوَجدِ فيه لواقِحا فأمسيتَ تستدعي من الصبر عازبًا عليك وتستدني من النَّومِ نازِحا
ودخل أصبهانَ مُغَنٍّ فكان يتغنَّى بهذين البيتين:
سماعًا يا عبادَ الله منِّي وكفُّوا عن مُلاحظةِ المِلاح فإنَّ الحبَّ آخِرُه المَنايا وأوَّلُهُ شبيهٌ بالمُزاح
وشادنٍ لمَّا بدا أسلَمَني إلى الرَّدى بطرفِه ولُطفِه وظَرفِه لمَّا بدا أردتُ أنْ أصيدَه فصادَ قَلبي وعَدا
واللهُ يا بَصَري الجاني على جَسَدي لأُطفِئَنَّ بدمعي لوعةَ الحَزَن تاللهِ تطمَعُ أنْ أبكِيَ هوًى وضَنًى وأنتَ تشبَعُ مِن غُمضٍ ومِن وَسَن هيهاتَ حتَّى تُرى طَرفًا بلا نَظَرٍ كما أُرى في الهوَى شخصًا بلا بَدَن
يا مَنْ يَرى سُقمي يزيدُ وعِلَّتي أعيَتْ طَبيبي لا تَعجَبَنَّ فهكذا تَجني العُيونُ على القُلوب
لواحظُنا تَجني ولا عِلمَ عندنا وأنفسُنا مأخوذةٌ بالجَرائِر ولم أَرَ أَغبى من نفوسٍ عفائفٍ تُصدِّقُ أخمارَ العُيونِ الفَواجِر ومَنْ كانتِ الأجفانُ حُجَّابَ قلبِه أذِنَّ على أحشائِه بالفَواقِر
ومستفتِحٍ بابَ البلاءِ بنظرةٍ تزوَّدَ منها قلبُه حَسرةَ الدَّهر فواللهِ ما تَدري أيَدري بما جنَتْ على قَلبِه أم أهلكَتْه وما يَدري؟
أنا ما بين عَدُوَّيـنِ هُما قَلبي وطَرفي ينظرُ الطَّرفُ ويَهوى الـقلبُ والمقصودُ حَتفي
رَمَتْ عينَها عَينِي وراحَتْ سليمةً فَمَن حاكِمٌ بينَ الكَحيلةِ والعَبرى فيا طَرفُ قد حذَّرتُكَ النَّظرةَ التي خَلَستَ فما راقَبتَ نَهيًا ولا زَجرا ويا قلبُ قدْ أردَاكَ طَرفيَ مرَّةً فَوَيحَكَ لِمْ طاوَعتَه مرَّةً أُخرى؟! — الخفاجي
ألم أقُل لك لا تَسرِقْ ملاحظةً فسارقُ اللَّحظِ لا ينجو مِن الدَّرَك نصبتُ طَرفي له لمَّا بدا شَرَكًا فكانَ قَلبي أَولى منه بالشَّرَك
الفائدة الثانية: إيراث القلب نورًا وإشراقًا
غضُّ البصر يُورثُ القلبَ نورًا وإشراقًا يظهر في العين والوجه والجوارح، كما أنَّ إطلاقَ البصر يُورثه ظلمةً تظهر في وجهه وجوارحه. ولهذا — واللهُ أعلم — ذكر اللهُ سبحانَه آيةَ النُّور في قوله تعالى:
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
عقيبَ قوله تعالى:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
وجاءَ الحديثُ مطابقًا لذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «النَّظرةُ سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس، فمن غضَّ بصرَه عن محاسن امرأةٍ أورثَ اللهُ قَلبَه نُورًا».
الفائدة الثالثة: صحَّة الفِراسة
غضُّ البصر يُورثُ صحَّةَ الفِراسة؛ فإنَّها من النُّور وثمراته. وإذا استنارَ القلبُ صحَّتِ الفِراسةُ، لأنَّه يصيرُ بمنزلة المِرآة التي تظهرُ فيها المعلوماتُ كما هي. والنظرُ بمنزلة التنفُّس في تلك المِرآة، فإذا أطلق العبدُ نظرَه تنفَّستِ النفسُ في مِرآة قلبه فطَمَسَتْ نورَها، كما قيل:
مِرآةُ قلبِكَ لا تُريكَ صَلاحَه والنَّفسُ فيها دائِمًا تَتَنَفَّسُ
قال شجاعٌ الكَرماني: «مَنْ عَمَرَ ظاهرَه باتِّباع السُّنَّة، وباطنَه بدوام المُراقبة، وغضَّ بصرَه عن المحارم، وكفَّ نفسَه عن الشَّهوات، وأكلَ من الحَلال؛ لم تُخطئ فِراستُه».
واللهُ سبحانه يَجزي العبدَ على عملِه بما هو من جنسِه؛ فمَنْ غضَّ بَصَرَه عن المحارم عوَّضَه اللهُ إطلاقَ نورِ بَصِيرتِه، ومن أطلق بصرَه في المحارم حبسَ اللهُ عنه بَصِيرتَه.
الفائدة الرابعة: فتح أبواب العلم
غضُّ البصر يفتحُ له طُرُقَ العلم وأبوابَه، ويُسهِّلُ عليه أسبابَه؛ وذلك بسبب نور القلب، فإنَّه إذا استنارَ ظهرَتْ فيه حقائقُ المعلومات وانكشفَتْ له بسرعة، ونفَذَ من بعضها إلى بعض. أمَّا مَن أرسلَ بصرَه فيتكدَّرُ قلبُه ويُظلِمُ، وينسدُّ عليه بابُ العلم وطُرُقُه.
الفائدة الخامسة: قوَّة القلب وشجاعتُه
غضُّ البصر يُورثُ قُوَّةَ القلب وثباتَه وشجاعتَه، فيجعلُ اللهُ سبحانَه له سلطانَ البصيرة مع سلطان الحجَّة. وفي الأثر: «إنَّ الذي يُخالف هواه يفرَقُ الشيطانُ من ظِلِّه».
ولهذا يُوجدُ في المتَّبع لهواه من ذلِّ القلب وضعفِه ومهانة النَّفس ما جعله اللهُ جزاءً لمن آثر هواه على رضاه.
قال الحسن البصري: «إنَّهم وإن هَمْلَجَتْ بهم البغالُ وطَقطَقَتْ بهم البراذين؛ إنَّ ذلَّ المعصية لفي قلوبهم، أبى اللهُ إلا أن يُذِلَّ مَنْ عَصاه».
وقال بعض الشيوخ: «الناسُ يطلبون العزَّ بأبواب الملوك ولا يجدونَه إلا في طاعة الله؛ فمن أطاع اللهَ فقد والاه فيما أطاعَه فيه، ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه». وفي دعاء القنوت: «إنَّه لا يَذِلُّ مَنْ واليتَ، ولا يَعِزُّ مَنْ عاديتَ».
الفائدة السادسة: سرور القلب وانشراحه
غضُّ البصر يُورثُ القلبَ سرورًا وفرحةً وانشراحًا أعظمَ من اللذَّة والسُّرور الحاصل بالنظر؛ وذلك لقهره عدوَّه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه. فلمَّا كفَّ لذَّتَه وحبسَ شهوتَه للهِ أعاضَه اللهُ سبحانَه مسرَّةً ولذَّةً أكملَ منها، كما قال بعضُهم: «وللهِ لَلذَّةُ العفَّة أعظمُ من لذَّة الذنب!» ولا ريبَ أنَّ النفسَ إذا خالفَتْ هواها أعقبَها ذلك فرحًا وسرورًا ولذَّةً أكملَ من لذَّة موافقة الهوى بما لا نسبةَ بينهما. وهاهنا يمتازُ العقلُ من الهوى.
الفائدة السابعة: تخليص القلب من أسر الشهوة
غضُّ البصر يُخلِّصُ القلبَ من أسر الشَّهوة؛ فإنَّ الأسيرَ هو أسيرُ شهوتِه وهواه. وغضُّ البصر يَسُدُّ هذا البابَ الذي عجزَتِ الملوكُ عن استيفاء أغراضِهم فيه.
الفائدة التاسعة: تقوية العقل وتثبيته
غضُّ البصر يقوِّي عقلَه ويزيده ويُثبِّته؛ فإنَّ إطلاقَ البصر وإرسالَه لا يحصلُ إلا من خِفَّة العقل وطَيَشِه وعدم ملاحظته للعواقب. وخاصَّةُ العقل ملاحظةُ العواقب. ومُرسِلُ النظرِ لو علمَ ما تجني عواقبُ نظره عليه لما أطلق بصرَه، كما قيل:
وأعقلُ النَّاسِ مَنْ لم يَرتَكِبْ سَبَبًا حتَّى يُفكِّرَ ما تَجني عَواقِبُهُ
الفائدة العاشرة: التخلُّص من سُكر الشهوة ورَقدة الغفلة
غضُّ البصر يُخلِّصُ القلبَ من سُكرِ الشَّهوة ورَقدةِ الغفلة؛ فإنَّ إطلاقَ البصر يُوجبُ استحكامَ الغفلة عن الله والدار الآخرة، ويُوقعُ في سكرةِ العشق، كما قال اللهُ تعالى عن عشَّاق الصُّوَر:
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
فالنَّظرةُ كأسٌ من خمر، والعشقُ هو سُكرُ ذلك الشَّراب. وسُكرُ العشقِ أعظمُ من سُكرِ الخمر؛ فإنَّ سكرانَ الخمر يُفيق، وسكرانَ العشق قلَّما يُفيق إلا وهو في عسكر الأموات، كما قيل:
سُكرانِ سُكرُ هوًى وسُكرُ مُدامةٍ ومتى إفاقةُ مَنْ به سُكرانِ؟
خاتمة
وفوائدُ غضِّ البصر وآفاتُ إرساله أضعافُ أضعافِ ما ذُكِرَ، وإنَّما نُبِّهَ عليها تنبيهًا. ولا سيَّما النظرُ إلى مَنْ لم يجعلِ اللهُ سبيلًا إلى قضاء الوَطَر منه شرعًا، كالمُرْدانِ الحِسان، فإنَّ إطلاقَ النظر إليهم السُّمُّ الناقعُ والداءُ العُضال.
روى الحافظُ محمَّدُ بن ناصر من حديث الشَّعبي مُرسَلًا: «قَدِمَ وَفدُ عبد القيس على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وفيهم غلامٌ أمردُ ظاهرُ الوَضَاءة، فأجلسَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وراءَ ظهرِه وقال: كانَتْ خَطِيئةُ مَنْ مَضى مِنَ النَّظَر».
وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: «إذا رأيتُم الرجلَ يُحِدُّ النظرَ إلى الغلام الأمرد فاتَّهِموه».
وكان إبراهيمُ النَّخَعيُّ وسفيانُ الثوريُّ وغيرُهما من السلف يَنهون عن مجالسة المُردان.
قال النَّخعيُّ: «مجالستُهم فتنةٌ، وإنَّما هم بمنزلة النساء».
وبالجملة: فكم من مُرسِلٍ لحظاتِه رجعَ جيشُ صبرِه مفلولًا، ولم يُقلِعْ حتى تَشَحَّطَ بينهنَّ قتيلًا:
يا ناظرًا ما أقلعَتْ لَحَظاتُهُ حتَّى تَشَحَّطَ بينَهنَّ قتيلا
✦ ✦ ✦
📚كـتــاب: روضة المحبين ونزهة المشتاقين .
