عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عِنْدَنَا يَتِيمَةٌ قَدْ خَطَبَهَا رَجُلَانِ: مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ، وَهِيَ تَهْوَى الْمُعْسِرَ، وَنَحْنُ نَهْوَى الْمُوسِرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ».
في أحكام النظر، وغائلته، وما يجني على صاحبه
قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ۞ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}.
فلمَّا كان غضُّ البصر أصلًا لحفظ الفرج؛ بدأ سبحانه وتعالى بذكره. ولما كان تحريمه من باب تحريم الوسائل، فإنه يُباح للمصلحة الرَّاجحة، ويَحْرُمُ إذا خِيفَ منه الفسادُ ولم يُعارضْه مصلحةٌ أرجحُ من تلك المفسدة.
فلذلك لم يأمر سبحانه بغَضِّه مطلقًا، بل أمر بالغضِّ منه. وأمَّا حفظ الفرج فواجبٌ بكلِّ حالٍ، لا يُباح إلا بحقِّه، فلذلك عمَّ الأمر بحفظه.
وقد جعل الله سبحانه العينَ مِرْآة القلب. فإذا غضَّ العبدُ بصرَه، غضَّ القلبُ شهوتَه وإرادتَه. وإذا أطلق بصره، أطلق القلبُ شهوتَه وتطلعه.
وفي الصحيح: أنَّ الفضل بن عباس رضي الله عنهما كان رَدِيف رسول الله ﷺ يوم النحر من مُزْدَلِفَة إلى مِنًى. فمرَّت ظُعُنٌ يَجْرِيْن، فَطفِق الفضل ينظرُ إليهنَّ. فَحوَّل رسول الله ﷺ رأْسَهُ إلى الشِّقِّ الآخر. وهذا منعٌ وإنكارٌ منه ﷺ بالفِعل. فلو كان النظرُ جائزًا لأقرَّه عليه ولم يصرف وجهه.
وفي الصحيح عنه ﷺ أنَّه قال: «إن الله عزَّ وجلَّ كتب على ابن آدم حَظَّهُ من الزِّنَى، أدْرَك ذَلِكَ لا مَحَالَةَ. فالعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ، واللِّسَانُ يَزْني وَزِنَاهُ النُّطْقُ، والرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الخُطَا، وَاليَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا البَطْشُ، وَالقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلِك أَوْ يُكَذِّبُه».
فبدأ ﷺ بزنى العينِ؛ لأنَّه أصلُ زنى اليد والرِّجل والقلبِ والفَرْج. ونبَّه بزنى اللسان بالكلام على زنى الفم بالقُبَل. وجعلَ الفرجَ مُصدِّقًا لذلك إن حقَّق الفعلَ وعمل به، أو مكذبًا له إن لم يُحَقِّقْهُ. وهذا الحديث من أبين الأشياء على أنَّ العينَ تعصي بالنظر، وأنَّ ذلك زناها، ففيه ردٌّ ظاهر على مَنْ أباح النظر مطلقًا.
وثبت عنه ﷺ أنَّه قال: «يا عَليُّ لا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فإنَّ لك الأُولى، ولَيْسَتْ لكَ الثَّانِيَة».
وقد وُجِّهَتْ مسألةٌ لبعض العلماء، فقيل: ما تقولُ السَّادة العلماء في رجلٍ نظرَ إلى امرأةٍ نظرةً، فعلقَ حبُّها بقلبه، واشتدَّ عليه الأمر؟ فقالت له نفسه: إن هذا كلَّه من أوَّل نظرةٍ، فلو أعَدْتَ النظرَ إليها لرأيتَها دون ما استقر في نفسك، ولَسلوتَ عنها، فهل يجوزُ له تعمُّد النظر ثانيًا لهذا المعنى؟
فكان الجواب: الحمد لله، لا يجوز هذا لعشرة أوْجُهٍ:
أحدها: أنَّ الله سبحانه أمر بغضِّ البصر، ولم يجعلْ شفاءَ القلب وطمأنينته فيما حرَّمه على العبد.
الثاني: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن نظر الفَجْأَة، وقد علم أنه يُؤثِّر في القلب، فأمرَ بمداواتِه بصرف البصر فوراً، لا بتكرار النَّظر.
الثالث: أنَّه ﷺ صرَّح بأن الأولى له، وليست له الثانية، ومحالٌ في العقل والشرع أن يكونَ داؤه ممَّا أُبيح له، ودواؤه ممّا حُرِّم عليه.
الرابع: أنَّ الظَّاهر هو قوةُ الأمر واشتعاله بالنظرة الثانية لا تَناقُصُه، والتجربةُ الإنسانية شاهدةٌ به. والظَّاهر أنَّ الأمرَ في الحقيقة كما رآه أولَ مرَّةٍ، فلا تحسنُ المخاطرة بالإعادة.
الخامس: أنَّه ربما أعاد النظر فرأى ما هو فوق الذي في نفسه، فيزداد عذابُه ويتضاعف بلاؤه.
السادس: أنَّ إبليسَ عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه ومستعداً له، فيزيِّن له ما ليس بحسن لِتَتِمَّ البلية ويقع المحظور.
السابع: أنَّه لا يُعانُ على بَليَّتِه إذا أعرضَ عن امتثال أوامر الشرع، وتداوى بما حرَّمه الله عليه، بل هو جديرٌ أن تتخلَّفَ عنه المعونة والفيض الإلهي.
الثامن: أنَّ النظرة الأولى سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس، ومعلومٌ في العقل أنَّ الثانية أشدُّ سُمًّا، فكيف يتداوى العاقل من السُّمِّ بالسُّمِّ؟
التاسع: أنَّ صاحبَ هذا المقام في مقام معاملة الحقِّ ــ عزَّ وجلَّ ــ في ترك محبوبٍ لأجله سبحانه.
وهو يُريد بالنَّظرة الثانية أن يتبيَّن حال المنظور إليه، فإن لم يكن مرضيًّا تركه. فإذًا يكون تركُهُ لأنَّه لا يُلائم غرضَه وهواه، لا لله تعالى، فأين معاملةُ الله ــ سبحانه ــ بترك المحبوب لأجله؟
العاشر: يتبيَّن بضرب مثلٍ مطابقٍ للحال؛ وهو أنَّك إذا ركبتَ فرسًا حديداً صعبة القياد، فمالتْ بك إلى درْبٍ ضيِّق لا ينفذُ، ولا يمكنها أن تستدير فيه للخروج. فإذا همَّت بالدُّخول فيه فاكبحْها لئلا تدخل.
فإذا دخلت خطوةً أو خطوتين فَصِحْ بها، ورُدَّها إلى وراء عاجلًا قبل أن يتمكَّن دخولُها. فإن رَدَدْتها إلى ورائها في أول الأمر سهُل الخطب.
وإن توانيتَ حتى ولَجَتْ، وسُقْتَها داخلًا، ثم قمت تجذِبُها بذَنبها؛ عَسُر عليك ذلك، أو تعذَّر خروجُها. فهل يقول عاقل: إنَّ طريق تخليصها وسَوْقها هو دفعها إلى الداخل؟
فكذلك النَّظرة إذا أثَّرت في القلب.
فإنْ عَجِل الحازمُ، وحَسَم المادَّة من أوَّلها؛ سَهُل علاجُه واستراح. وإنْ كرَّر النظر، ونَقَّبَ عن محاسن الصُّورة، ونقلها إلى قلب فارغٍ فنقشها فيه؛ تمكَّنت المحبَّة المفسدة.
وكلَّما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزالُ تَنْمي وتكبر حتى يفسدَ القلبُ تماماً. ويُعْرِض المرء عن الفكر فيما أُمِر به، فيخرج بصاحبه إلى الفتن، ويوجب ارتكابَ المحظورات، ويُلقي القلبَ في مهالك التلف.
والسَّبَبُ في هذا أنَّ الناظر التذَّت عينُه بأوَّل نظرةٍ، فطلبتِ النَّفسُ المعاودة، كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه المرء لقمةً. ولو أنَّه غضَّ بصرَه أوَّلًا؛ لاستراح قلبُه وسَلِم من التبعات.
وتأمَّل قول النبي ﷺ: «النظرة سهْمٌ مَسْمُومٌ من سهام إبليس». فإن السَّهْم شأْنُه أن يسري في الجسد فيصل إلى القلب، فيعمل فيه عمل السُّمِّ الذي يُسقاه المسموم. فإن بادر واستفرَغه عولج، وإلا قتله ولابدَّ.
قال المَرُّوذِيُّ: قلت لأحمد بن حنبل: الرجلُ ينظرُ إلى المملوكة؟ قال: أخافُ عليه الفتنة، كم نظرةٍ قد ألقتْ في قلبِ صاحبها البلابل والحسرات!.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الشيطان من الرَّجل في ثلاثة مواضع: في بصره، وقلبه، وذكره. وهو من المرأة في ثلاثة مواضع: في بصرها، وقلبها، وعجُزِها.
📚كـتــاب: روضة المحبين ونزهة المشتاقين.

رد واحد على “[ وَهِيَ تَهْوَى الْمُعْسِرَ، وَنَحْنُ نَهْوَى الْمُوسِرَ ]”
“اللهم احفظ أبصارنا، وألسنتنا، وقلوبنا، وسائر جوارحنا عن الحرام، واكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.”
إعجابLiked by 1 person