[ الجهاد والغزوات ]


فضلُ الجهاد ومنزلةُ أهله:
لمَّا كان الجهاد ذِروةَ سنام الإسلام وقُبَّتَه، ومنازِلُ أهله أعلى المنازل في الجنة كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة؛ كان رسول الله ﷺ في الذروة العليا منه، فاستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حقَّ جهاده بالقلب والجَنان، والدعوة والبيان، والسيف والسِّنان.
فكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفعَ العالمين ذكرًا وأعظمَهم عند الله قدرًا.
الأمرُ بالجهاد من حين البعثة
وأَمَره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، فقال:
{ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ۝ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا }
فهذه سورة مكية أُمِر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن.
جهادُ المنافقين
وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بالحجّة، وإلا فهُم تحت قهر أهل الإسلام؛ قال تعالى:
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }
فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواصِّ الأمة وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالم، والمشاركون فيه والمعاوِنون عليه — وإن كانوا هم الأقلِّين عددًا — فهم الأعظمون عند الله قدرًا.
الجهادُ بقول الحقِّ مع شدة المعارض
ولما كان من أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِض — مثل أن يَتكلَّم به عند من يَخاف سطوتَه وأذاه — كان للرسل صلوات الله وسلامه عليهم من ذلك الحظُّ الأوفر، وكان لنبيِّنا صلوات الله وسلامه عليه من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه.
جهادُ النفس أصلُ الجهاد
ولمّا كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي ﷺ:
«المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.»
كان جهاد النفس مقدَّمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له؛ فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أُمِرتْ به وتتركَ ما نُهِيتْ عنه ويحارِبْها في الله، لم يمكنه جهاد عدوِّه في الخارج.
وكيف يمكنه جهاد عدوِّه والانتصافُ منه، وعدوُّه الذي بين جنبَيه قاهرٌ له متسلِّط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوِّه حتى يجاهد نفسه على الخروج.
الأعداءُ الثلاثة
فهذان عدوَّان قد امتُحن العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌّ ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده؛ وهو واقف بينهما يُثبِّط العبدَ عن جهادهما ويَخْذُله ويَرجُف به، ولا يزال يخيِّل له ما في جهادهما من المشاقِّ وتركِ الحظوظ وفوت اللذَّات والمشتهَيات. ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوَّين إلا بجهاده؛ فكان جهاده هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان.
{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا }
والأمر باتخاذه عدوًّا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، فإنه عدو لا يَفْتُر ولا يَقْصُر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.
الابتلاءُ والامتحان
فهذه ثلاثة أعداءٍ أُمِر العبدُ بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي العبد بمحاربتها في هذه الدار وسُلِّطت عليه امتحانًا من الله له وابتلاءً، وأُعطِي العبد مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأُعطي أعداؤُه مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا، وبُلي أحدُ الفريقين بالآخر وجُعل بعضهم لبعض فتنةً؛ ليبلو أخبارَهم ويَمتحن من يتولَّاه ويتولى رسلَه ممن يتولَّى الشيطانَ وحزبه.
{ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ }    { ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ }
المددُ الإلهي والنصرة
فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقُوى، وأنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله، وأمدهم بملائكته وقال لهم:
{أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا }
وأمرهم مِن أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدُوِّه، وأخبرهم أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به لم يزالوا منصورين على عدوِّه وعدوِّهم، وأنه إن سُلِّط عليهم فلِتَرْكهم بعضَ ما أمروا به ومعصيتهم له.
ثم لم يُؤْيِسْهم ولم يقنِّطْهم، بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم ويداوُوا جراحهم ويعودوا إلى مناهضة عدوِّهم؛ يَنصُرْهم عليهم ويُظفِّرهم بهم. وأخبرهم أنه مع المتقين ومع المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين، وأنه يَدْفَع عن عباده المؤمنين ما لا يَدْفعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعُه لتخطفهم عدوهم واجتاحهم.
وهذه المدافعة عنهم بحَسَب إيمانهم وعلى قَدْرِه، فإنْ قويَ الإيمانُ قويت المدافعة؛ فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
حقُّ الجهاد
وأَمَرهم أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته. وكما أن حقَّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر؛ فحق جهاده أن يجاهدَ نفسه ليُسْلِمَ قلبُه ولسانُه وجوارحُه لله وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه.
ويجاهدَ شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره، فإنه يعِدُ الأماني ويُمنِّي الغرور، ويَعِد الفقر ويأمر بالفحشاء، وينهى عن الهدى والتقى والعفة والصبر وأخلاق الإيمان كلِّها.
فينشأ له من هذين الجهادين قوّةٌ وسلطانٌ وعدَّةٌ يجاهِدُ بها أعداءَ الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
أقوالُ السلف في حقِّ الجهاد
واختلفت عبارات السلف في حقِّ الجهاد:
ابن عباس رضي الله عنهما: هو استفراغ الطاقة فيه، وأن لا يخافَ في الله لومة لائم.
مقاتل رحمه الله: اعملوا لله بالحقِّ حقَّ عمله، واعبدوه حقَّ عبادته.
عبد الله بن المبارك رحمه الله: هو مجاهدة النفس والهوى.
ولم يُصِب من قال: إن الآيتين منسوختان لظنِّه أنهما تضمَّنتا الأمرَ بما لا يطاق. وحقُّ تقاته وحقُّ جهاده هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلَّفين في القدرة والعجز والعلم والجهل؛ فحقُّ التقوى وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل والضعيف شيء.
سعةُ الدين ويُسره
وتأمَّلْ كيف عَقَّب الأمرَ بذلك بقوله:
{ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ }
والحرج هو الضيق. بل جعله سبحانه واسعًا يَسَعُه كلُّ أحدٍ كما جعل رزقَه يسعُ كلَّ حيٍّ؛ فكلَّف العبد ما يسعه ورزقه ما يسعه، فهو يسع تكليفَه ويسعه رزقُه، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجهٍ ما. قال النبي ﷺ:
«بُعثِتُ بالحنيفيَّةِ السَّمْحة.»
أي: بالملة، فهي حنيفيَّة في التوحيد سمحة في العمل.
وقد وسَّع سبحانه على عباده غايةَ التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته؛ فبسط عليهم التوبة ما دامت الرُّوح في الجسد، وفتح لهم بابًا لها لا يغلقه عنهم إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وجعل لكل سيئة كفارةً تكفِّرُها من توبةٍ أو صدقةٍ أو حسنة ماحية أو مصيبة مكفِّرةٍ.
وجعل لِكُلِّ ما حرَّم عليهم عوضًا من الحلال أنفعَ لهم منه وأطيبَ وألذَّ؛ يقوم مقامه ليستغني العبدُ عن الحرام ويسعه الحلالُ فلا يَضِيق عنه، وجعل لكل عُسْرٍ يمتحنهم به يُسْرًا قَبْله ويسرًا بعده، فلن يغلب عسرٌ يُسرَين.
فإذا كان هذا شأنه سبحانه مع عباده فكيف يكلِّفهم ما لا يسعهم، فضلًا عمَّا لا يطيقونه ولا يقدرون عليه؟!
📚 زاد المعاد في هدي خير العباد
الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله



اكتشاف المزيد من جوامع الكلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رد واحد على “[ الجهاد والغزوات ]”

أضف تعليق