#البحر_الميت
البحر الميت… موضع عذاب لا مقصد سياحة
يُقبل كثير من الناس في هذا الزمان على زيارة ما يُسمّى بالبحر الميت، طلبًا للاستجمام أو العلاج أو الترفيه، غير ملتفتين إلى حقيقة هذا المكان في ميزان الشرع، ولا إلى ما نزل فيه من بأس الله وعقوبته.
ولو أن المسلم وقف مع النصوص وقفة المتدبّر، لعلم أن هذه الأرض ليست أرض نزهة، بل أرض عذابٍ وعِبرة.
حقيقة المكان في ضوء القرآن
أجمع أهل التفسير والسير على أن منطقة البحر الميت داخلة في ديار قوم لوط، القوم الذين ارتكبوا الفاحشة العظمى، فأنزل الله بهم عقوبة لم يُنزِل مثلها على أحد من العالمين.
قال الله تعالى:
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾
أي أن آثار هذه القرى لا تزال باقية، يمرّ بها الناس ليعتبروا، لا ليتلهّوا.
النهي النبوي عن دخول ديار المعذَّبين
جاء التحذير النبوي صريحًا واضحًا، لا يحتمل تأويلًا يُفرغه من معناه.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
لما مرّ النبي ﷺ بالحِجر قال:
«لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم».
ثم قنّع رأسه ﷺ وأسرع السير.
وهذا الحديث أصل عظيم عند أهل السنة، دلّ على:
تحريم دخول ديار المعذَّبين بقصد النزهة أو الترفيه
وأن الرخصة إنما هي للمرور مع الخوف والاعتبار
وأن المكث فيها بغير ذلك تعريض للنفس لسخط الله
كلام العلماء الربانيين
قال الإمام النووي رحمه الله:
فيه النهي عن دخول ديار المعذَّبين، والحث على الاتعاظ والخوف من حلول العذاب.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
من دخل ديارهم لغير معتبر ولا خائف، فقد خالف السنة وعرّض نفسه لما أصابهم.
وقال ابن القيم رحمه الله:
كان النبي ﷺ إذا مرّ بديار المعذَّبين أسرع السير، وخفض رأسه، ولم يمكث فيها.
فهكذا فهم السلف النصوص: خشيةً، وتعظيمًا، واعتبارًا، لا تسلية ولا سياحة.
مفارقة مؤلمة في واقع الناس
أن يُهجر المسجد
وتُستباح المعصية
ويُجاهر بالذنب
ثم تُقصَد أرضٌ
نزل فيها غضبُ الله
للتنزّه والضحك
والتصوير والترف
وكأن العذاب تاريخ
لا عِظة فيه
ولا عبرة
أي قلبٍ هذا الذي يطمئن في موضعٍ قلب الله عاليه سافله؟
وأي فقهٍ هذا الذي يرى أماكن الهلاك فرصًا للترفيه؟
خاتمة ونصيحة
إن زيارة البحر الميت ليست مسألة سياحية، بل قضية شرعية عقدية، تتعلّق بتعظيم أمر الله، واتباع هدي نبيه ﷺ، وفهم سنن الله في إهلاك المجرمين.
فالواجب على المسلم:
أن يجتنب قصد هذه المواضع
وأن يعلّم أهله وأبناءه أنها أرض غضب لا أرض علاج
وأن يجعل المرور بها ـ إن مرّ ـ مرور خوفٍ واعتبار، لا لهوٍ وإقامة
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
ومن لم يعتبر بديار الهالكين، فليخف أن يكون هو العبرة القادمة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(البحر الميت)
اكتشاف المزيد من جوامع الكلم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.