#الخذلان
كان حصارُ قريشٍ للنبي ﷺ وأصحابه في شِعب أبي طالب مثالًا فريدًا للصبر في سبيل الله، صبرًا لم تُعرف له نظائر، حيث قُطع الطعام، ومنع البيع والشراء، وبلغ الجوع مبلغًا أكل فيه الصحابة ورق الشجر، ومضغوا العظام، ومع ذلك ثبتوا ولم يتنازلوا عن دينهم.
قال الله تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾
وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:
«لقد رأيتني وإني لآخذ العظم فأعضده، فيقع ما عليه من اللحم في فمي، فأمضغه، وما أجد طعامًا» (رواه مسلم).
أما اليوم، فإن كثيرًا من المسلمين لا يصبرون ساعةً ولا يومًا ولا أسبوعًا في سبيل الله، مع أن الرزق مبسوط، والأرض واسعة، والخيرات ظاهرة، لا سيما في بلادٍ باركها الله كبلاد الشام.
قال الله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
ومع ذلك، نرى من يتملق للغرب، ويداهن، ويركع، وينافق، ويفعل ما يغضب الله تعالى طلبًا لرضاهم، وقد قال الله عز وجل:
﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
وقال النبي ﷺ:
«من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» (رواه الترمذي).
فالفرق عظيم بين صبر الأمس وذلّ اليوم، وبين ثبات المؤمنين الأوائل وتنازلات المتأخرين، ونسأل الله أن يعصمنا من غضبه، وأن نبرأ إليه من موالاة غيره، وأن يجعل ولاءنا خالصًا له وحده.
(الصبر والمصابرة)
اكتشاف المزيد من جوامع الكلم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.