#مِنْ_أَيْنَ_يَسْقُطُ_الْقَلْبُ
إِبْلِيسُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، إِذَا جَمَعَ شَيَاطِينَهُ وَحِزْبَهُ، أَقَامَ لَهُمْ مَجْلِسًا، وَقَسَّمَهُمْ طَبَقَاتٍ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ أُمَرَاءَ، ثُمَّ بَثَّهُمْ فِي بَنِي آدَمَ بَثًّا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ كُلِّ ثَغْرٍ يُمْكِنُ النُّفَاذُ مِنْهُ.
فَالثُّغُورُ كَثِيرَةٌ، ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ، مِنْهَا الْفَمُ، وَالْعَيْنُ، وَالْأُذُنُ، وَمِنْهَا الْغَفْلَةُ، وَالشَّهْوَةُ، وَمِنْهَا الْيَدُ وَالرِّجْلُ.
فَلَا يَتْرُكُونَ ثَغْرًا إِلَّا طَرَقُوهُ، وَلَا مَدْخَلًا إِلَّا جَرَّبُوهُ.
فَيَأْتُونَ ابْنَ آدَمَ مِنْ أَضْعَفِ مَوْضِعٍ فِيهِ، لَا مِنْ أَشَدِّهِ، وَلَا مِنْ أَصْلَبِ قَلْبِهِ، بَلْ مِنْ رَخَاوَةِ النَّفْسِ، وَسَهْوَةِ الْفِكْرِ، وَغَفْلَةِ اللَّحْظَةِ.
فَإِذَا ظَفِرُوا بِثَغْرٍ وَاحِدٍ، زَيَّنُوا لَهُ، وَسَهَّلُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ وَسَّعُوا الْمَدْخَلَ، حَتَّى تَتَهَاوَى سَائِرُ الثُّغُورِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ.
فَإِذَا اكْتَمَلَتِ السَّيْطَرَةُ عَلَى الثُّغُورِ، كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ هُوَ الْقَلْبُ؛ مَلِكَ الْجَسَدِ، وَقَائِدَ الْجَوَارِحِ، وَمُحَرِّكَ الْأَفْعَالِ.
فَإِنْ سَقَطَ الْمَلِكُ، سَقَطَتْ جُنُودُهُ، وَإِنْ فَسَدَ الْقَلْبُ، فَسَدَتِ الْجَوَارِحُ، وَتَحَوَّلَ الْجَسَدُ إِلَى سَاحَةٍ بِلَا قَائِدٍ، وَلَا نِظَامٍ، وَلَا ضَابِطٍ.
وَهُنَا تَبْدَأُ الْفَوْضَى، وَيُرْكَلُ ابْنُ آدَمَ فِي كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ.
وَدُونَكُمْ ثَغْرَ الْعَيْنِ، فَإِنَّ مِنْهُ تَنَالُونَ بُغْيَتَكُمْ؛ فَإِنِّي مَا أَفْسَدْتُ بَنِي آدَمَ بِشَيْءٍ مِثْلَ النَّظَرِ، فَإِنِّي أَبْذُرُ بِهِ فِي الْقَلْبِ بَذْرَ الشَّهْوَةِ، ثُمَّ أَسْقِيهِ بِمَاءِ الْأُمْنِيَةِ، ثُمَّ لَا أَزَالُ أَعِدُهُ وَأُمَنِّيهِ حَتَّى أُقَوِّيَ عَزِيمَتَهُ، وَأَقُودَهُ بِزِمَامِ الشَّهْوَةِ إِلَى الِانْخِلَاعِ مِنَ الْعِصْمَةِ.
فَلَا تُهْمِلُوا أَمْرَ هَذَا الثَّغْرِ، وَأَفْسِدُوهُ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِكُمْ، وَهَوِّنُوا عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَقُولُوا لَهُ: مَا مِقْدَارُ نَظْرَةٍ تَدْعُوكَ إِلَى تَسْبِيحِ الْخَالِقِ، وَالتَّأَمُّلِ لِبَدِيعِ صَنْعَتِهِ، وَحُسْنِ هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي إِنَّمَا خُلِقَتْ لِيَسْتَدِلَّ بِهَا النَّاظِرُ عَلَيْهِ؟
وَمَا خَلَقَ اللَّهُ لَكَ الْعَيْنَيْنِ سُدًى، وَمَا خَلَقَ هَذِهِ الصُّورَةَ لِيَحْجُبَهَا عَنِ النَّظَرِ !
وَإِنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ قَلِيلَ الْعِلْمِ، فَاسِدَ الْعَقْلِ، فَقُولُوا: هَذِهِ الصُّورَةُ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الْحَقِّ، وَمَجْلًى مِنْ مَجَالِيهِ، فَادْعُوهُ إِلَى الْقَوْلِ بِالِاتِّحَادِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَالْقَوْلُ بِالْحُلُولِ الْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ .
وَلَا تَقْنَعُوا مِنْهُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مِنْ إِخْوَانِ النَّصَارَى، فَمُرُوهُ حِينَئِذٍ بِالْعِفَّةِ، وَالصِّيَانَةِ، وَالْعِبَادَةِ، وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَاصْطَادُوا عَلَيْهِ الْجُهَّالَ.
فَهَذَا مِنْ أَقْرَبِ خُلَفَائِي ، وَأَكْبَرِ جُنْدِي، بَلْ أَنَا مِنْ جُنْدِهِ وَأَعْوَانِهِ !
«مِنْ أَيْنَ يَسْقُطُ الْقَلْبُ؟»
اكتشاف المزيد من جوامع الكلم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.