على بصيرة

#عَمْقُ_البَصِيرَةِ

بسم الله الرحمن الرحيم :الحمدلله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين :حقيقة الإيمان وشروط النجاة: فارقٌ بين مجرد الإسلام وكمال الإيمانإن الناظر في حال كثير من المنتسبين للإسلام اليوم يرى عجبًا، ويرى تحقق قول الله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} فليست العبرة بالكثرة العددية، ولا بالانتساب بالاسم، وإنما العبرة بحقيقة الإيمان الذي وقر في القلب وصدّقه العمل، وانضبط بضوابط الشرع الحنيف.إن الإيمان عند سلف الأمة وأئمة أهل السنة والجماعة ليس كلمة تُقال، ولا هوية تورث، بل هو حقيقة مركبة من: “قول باللسان، واعتقاد بالجنان (القلب)، وعمل بالأركان (الجوارح)، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية”.فمن أخلّ بهذه الأركان أو انتقص من أصولها، كان انتسابه للإسلام محل نظر، وكان على خطر عظيم. وفيما يلي تفصيل لأخطر الانحرافات التي تخدش أصل الإيمان أو كماله، وبيان لموقف السلف الصالح منها بالأدلة والبراهين.أولاً: من ادعى الإسلام وضيّع أركانهإن أعظم ما يظهر به صدق الإيمان هو الانقياد لأوامر الله، وعلى رأسها أركان الإسلام العملية. ومن الخذلان أن يدّعي العبد الإسلام ثم يهدم عموده وركنه الأعظم: الصلاة.الأدلة في شأن تارك الصلاة: * قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاةِ”. (رواه مسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: “الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ”. (رواه الترمذي والنسائي).أقوال الصحابة والسلف: قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة”. وقال التابعي الجليل عبد الله بن شقيق العقيلي رحمه الله: “كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة”. (رواه الترمذي والحاكم وصححاه).فترك الصلاة بالكلية هو كفر أكبر مخرج من الملة في قول جمهور السلف وكثير من الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل. وأما ترك بقية الأركان كالصيام والزكاة والحج مع الإقرار بوجوبها، فهو من أكبر الكبائر وأعظم الموبقات التي تذهب بكمال الإيمان وتُعرّض صاحبها للعقوبة الشديدة.ثانياً: الولاء والبراء: ميزان الإيمان في علاقة المسلم بغيرهمن أصول العقيدة العظيمة التي يتمايز بها أهل الإيمان عن غيرهم، عقيدة “الولاء والبراء”؛ ومعناها: إخلاص المحبة والنصرة لله ورسوله والمؤمنين، وإظهار البراءة والعداوة والبغضاء للكافرين والمشركين.الأدلة: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . والشاهد القاطع في الآية هو قول الله: “وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”، وقد اعتبر العلماء هذه الآية دليلاً على أن الموالاة الكبرى للكفار -كمناصرتهم بالسلاح والرأي على المسلمين- هي ردّة صريحة عن دين الإسلام. وقال تعالى: {لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} .إن مظاهرة الكفار على المسلمين بأي نوع من أنواع المعاونة التي تضر بالمسلمين وتقوي شوكة أعدائهم هو من نواقض الإسلام الصريحة بإجماع أهل العلم.ثالثاً: دعوى مساواة الأديان: هدمٌ لأصل الإسلامإن من أعظم الكفر والضلال، وأوضح صور تكذيب الله ورسوله، هو القول بأن جميع الأديان سواسية، أو الاعتقاد بأن اليهودية والنصرانية أديان صحيحة مقبولة عند الله اليوم، أو الشك في كفر أتباعها.الأدلة: قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} . وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} . وفي صحيح مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ”.وقد نقل القاضي عياض وغيره من العلماء إجماع الأمة على كفر من لم يكفّر اليهود والنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فمن سوّى بين الإسلام وغيره من الأديان المنسوخة أو المحرفة، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.رابعاً: السنة والبدعة: التمسك بمنهج السلف هو سبيل النجاةلقد أمر الشرع بالاجتماع على الحق، ونهى عن التفرق والاختلاف واتباع السبل المحدثة في الدين (البدع). والطريق المستقيم واحد، وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.قال عليه الصلاة والسلام: “…فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ”. (رواه أبو داود والترمذي).والتسوية بين أهل السنة المتبعين للأثر، وبين أهل البدع والأهواء، هو عين الضلال. ومن هذه الفرق التي حذر منها السلف: الجهمية والمعتزلة: الذين عطلوا الله عن صفاته الكمال، ونفوا حقائقها، وقد حكم عليهم أئمة السلف -كالإمام أحمد والبخاري- بأقوال شديدة تصل إلى التكفير، لأن قولهم يستلزم إنكار ما وصف الله به نفسه في كتابه. الروافض (الشيعة الإمامية): الذين بنوا دينهم على تكفير وسب خيار الصحابة، والطعن في القرآن الكريم، والغلو في أئمتهم إلى حد منحهم صفات الألوهية، وهذه أصول كفرية. غلاة الصوفية وأهل الطرق المبتدعة: الذين وقعوا في الشرك الأكبر بالاستغاثة بالأموات وأصحاب القبور، ودعائهم من دون الله، وطلب المدد منهم. وهذا هو عين شرك الأولين الذي قال الله فيه: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} .فكيف يستوي من يعظّم السنة بمن يبتدع في الدين؟ وكيف يستوي من يوحّد الله في عبادته بمن يشرك به الأموات والمخلوقين؟كلمة أخيرةإن الإسلام بناء شامخ، أساسه التوحيد الخالص، وأعمدته الأركان، وسقفه الإيمان، وسياجه الولاء والبراء. فمن هدم شيئاً من هذه الأصول فقد عرّض بناءه كله للانهيار، وإن زخرفه بالادعاءات والأقوال. إن طريق الحق واضح، وهو التمسك بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، واجتناب محدثات الأمور، ومعرفة الحق بأدلته لا بكثرة السالكين في دروب الباطل.{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} .



اكتشاف المزيد من جوامع الكلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق