فصل
وأما الآيات الدالة على كفر الشاتم وقتله إذا لم يكن معاهدًا، وإن كان مُظهرًا للإسلام فكثيرة، مع [أنه مُجْمَعٌ عليه] .
منها: قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } إلى قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: ]،
فعُلِمَ أنَّ إيذاء رسول الله محادّة لله ولرسوله؛ لأن ذِكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذِكر المحادَّة؛ فيجب أن يكون داخلًا فيه، فيدل على أنَّ الإيذاء والمحادّة كفر؛ لأنه أخبر أن له نارَ جهنَّم خالدًا فيها ؛ بل المحادة هي المعاداة وذلك كُفْر ومُحاربة،
فيكون المؤذي لرسول الله كافرًا عدوًّا لله ورسوله محاربًا لله ورسوله.
وفي الحديث: أن رجلًا كان يسبُّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فقال: “مَن يَكْفِيني عَدُوِّي”
وأيضًا قوله: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة:]، فإذا كان من يُوادِد المحادّ ليس بمؤمن، فكيف بالمحاد نفسِه؟!
وقيل: إن سبب نزولها أن أبا قُحافة شتم النبي – صلى الله عليه وسلم -، فأراد أبو بكرٍ قتلَه ، فثبتَ أن المحادَّ كافر حلال الدَّم.
الدليل الثاني : قوله: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا} إلى قوله: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ} [التوبة: ]،
وهذا نصٌّ أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرٌ صريح، فدلَّت الآية أنَّ كلَّ مُتَنَقِّصٍ رسولَ الله جادًّا أو هازلًا = فقد كفر.
الدليل الثالث : قوله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة:] واللَّمز: العَيْب والطَّعْن.
وقال: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ … } الآية [التوبة:]، فدل على أنَّ كل من لمزه وآذاه كان منهم، فلما أخبر أنَّ الذين يلمزون النبي ويؤذونه من المنافقين ثبت أنه دليل على النفاق.
الدليل الرابع : قوله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية [النساء:]، أقسم – سبحانه – بنفسه أنهم لا
يؤمنون حتى يُحكِّموه في الخصومات التي بينهم، ثم لا يجدوا في نفوسهم ضِيقًا من حكمه، بل يُسلِّموا تسليمًا لحكمه ظاهرًا وباطنًا.
وقال قبل ذلك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} إلى قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } [النساء: ]،
فبيَّن أن من دُعِيَ إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله، فصدَّ عن رسوله، كان منافقًا، مع قوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور:]،
فمن تولَّى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه، فهو منافق وليس بمؤمن، بل المؤمن من يقول: سمِعْنا وأطَعْنا.
وإذا ثبت النفاقُ بمجرَّد الإعراض عن حكم الرسول، فكيف بالتنقُّص والسَّبِّ ونحوه؟!
الدليل الخامس :
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} الآية [الأحزاب:]، فَقَرَنَ أذاه بأذاه، كما قرن طاعته بطاعتِه، فمن آذاه فقد آذى الله، وقد جاء ذلك منصوصًا عنه، ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم، يوضِّحه أنه جعل محبةَ الله ورسوله، وإرضاءَ الله ورسوله،
وطاعةَ الله ورسوله شيئًا واحدًا، وجعل شِقَاقَ الله ورسوله [و] محادَّة الله ورسوله، وأذى الله ورسوله، ومعصيةَ الله ورسوله، شيئًا واحدًا، ففي ذلك بيانٌ لتلازم الحَقَّيْن، وأن جهةَ الله ورسوله جهةٌ واحدة؛ فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع
الله؛ لأنه واسطة بين الله وبين الخلق، ليس لأحدٍ منهم طريق غيره، وقد أقامه مُقامَ نفسِه في أمره ونهيه، وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن نفرِّق بين الله ورُسُلِه في شئٍ من هذه الأمور.
وأيضًا: فإنه فرَّق بين أذى الله ورسوله، وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعلَ هذا قد احتمل بهتانًا وإثمًا مُبِينًا، وجعل على ذلك لعنته في الدنيا والآخرة، وأعدَّ له العذاب المهين، ومعلومٌ أن أذى المؤمنين قد يكون فيه الجَلْد فيكون من كبائر الإثم، وليس فوقه إلا الكفر والقتل.
وأيضًا: فإنهم لعنهم، واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ولا يُطرَد من رحمته في الدنيا والآخرة إلا الكافر، فلا يكون محقون الدم، بل مباحه؛ لأن حَقْنَه رحمةٌ عظيمة، يؤيده قوله: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا } [الأحزاب:].
يؤيده: أنَّ سائر من لعنه الله في كتابه؛ إمَّا كافر أو مُباح الدم.
فإن قيل: يَرِد عليك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور:] مع أنَّ مجرَّد القذف ليس بكفر.
فجوابُه من وجوه:
أحدها: أن هذه الآية نزلت في عائشة – رضي الله عنها – قاله ابن عباس وغيره :
📚كتاب: (الصارم المسلول على شاتم
الرسولﷺ)