(أنَّ سائر من لعنه الله في كتابه؛ إمَّا كافر أو مُباح الدم.)

أنَّ سائر من لعنه الله في كتابه؛ إمَّا كافر أو مُباح الدم.


فإن قيل: يَرِد عليك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور:] مع أنَّ مجرَّد القذف ليس بكفر.
فجوابُه من وجوه:


أحدها: أن هذه الآية نزلت في عائشة – رضي الله عنها – قاله ابن عباسٍ  وغيره، ففي قذفها طعنٌ وأذىً للنبيِّ – صلى الله عليه وسلم -، فإن زِنى امرأةِ الرَّجلِ يؤذيه. ولهذا ذهب أحمد – في روايةٍ عنه – إلى أن من قذف امرأةً غير محصنةٍ كالأمَةِ والذِّمِّية، ولها زوجٌ أو ولد محصن حُدَّ لقذفها،

لما يلحقه من العار بولدها وزوجها المحصَنَيْن، فتكون هذه الآية خاصة بمن قذف أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم -، فإن من يقصد عيبَ النبيِّ بعيبِ أزواجه فهو منافق، فأما من رَمَى امرأةً من المسلمين فهو فاسق، كما قال تعالى، أو يتوب،

ويكون الألف واللام في قوله: {يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ}، عهديَّة راجعة إلى معهودٍ وهم أزواج الرسول – صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الكلام في قصة الإفك،

أو يُقْصَر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك؛ لأن أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – مشهود لهنَّ بالإيمان، وهنَّ أُمهات المؤمنين، وهنَّ أزواجه في الدنيا والآخرة.


وقال تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النور:] فعُلِمَ أن الذي يرمي أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وتولّى كِبْر الإفك، وهذه صفة المنافق ابن أُبَيٍّ.

فرميهنَّ نفاق مُبيح للدم إذا قصد به أذى النبي – صلى الله عليه وسلم -، أو أُوذِيْنَ بعد العلم بأنهنَّ أزواجه في الآخرة، فإنه ما بغت امرأةُ نبيٍّ قطُّ.


ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم – فيما ثبت عنه في “الصحيحين” : “مَنْ يَعْذِرُني مِن رجلٍ قد بلغني أذاهُ في أهل بيتي فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا … ” الحديث.


وفيه: فقال سعد بن مُعاذ: “أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عُنُقَه” ولم ينكر النبي – صلى الله عليه وسلم – على سعدٍ استيماره في ضرب أعناقهم.


ولا يَرِدُ على ذلك مِسْطح وحسَّان وحَمْنَة، وإن كانوا في أهل الإفك، فإنهم لم يُرْموا بنفاقٍ، ولم يقتل النبي أحدًا في ذلك السبب، بل اخْتُلف في جلدهم، فإنهم لم يقصدوا أذى النبي – صلى الله عليه وسلم -، ولا ظهر منهم دليل أذاه، بخلاف ابن أُبَيٍّ الذي إنما كان قصده أذاه.


وأيضًا: لم يكن قد ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هنَّ أزواجه في الآخرة، وكان وقوع ذلك منهنَّ ممكنٌ عقلًا، ولذلك توقَّف النبي – صلى الله عليه وسلم – في القصَّة.


الوجه الثاني: أن الآية عامة، وقد رُويَ من غير وجهٍ أنّ قذف المحصنات من الكبائر ، ثم قد يقال : هي في مشركيِّ العرب من أهل مكة، فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله مهاجرةً قذفها المشركون من أهل مكة،

فيكون ذلك فيمن قذف المؤمنات قذفًا يصدُّهُنَّ به عن الإيمان، ويقصد ذمَّ المؤمنين لِيُنَفِّر الناس عن الإسلام، كما فعل كعب بن الأشرف وعلى هذا؛ فمن فعل ذلك فهو كافر، وهو بمنزلةِ من سبَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم -.


وقد يقال: هي عامَّة مُطلقًا؛ ولكن قوله: {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور:] هو مبنيٌّ للمفعول، فلم يُسَمَّ اللاعِن من هو، فيجوز أن يكون اللاعن غيرُ الله من الملائكة والناس، وجاز أن يلعنهم الله في وقتٍ، أو يلعن بعضَهم دون بعضٍ،

ويلعنُهم بعضُ خَلْقِه في وقتٍ. واللهُ إنَّما يلعن من كان قذفه طعنًا في الدين، وأما لعنةُ خلقِه بعضهم لبعضٍ فقد تكون بمعنى الدعاء عليهم، وقد يكون بمعنى أنهم يُبْعِدونهم عن رحمة الله، ويؤيده أن الرجلَ إذا قذفَ زوجته تلاعَنا،

وكذلك قوله: {فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } [آل عمران:] فمما يُلْعن به القاذف أن يُجْلَد وتُرَد شهادتُه ويُفَسَّق، فإنه عقوبة له، وإقصاءٌ عن مواطن الأمن والقبول،

وهي من رحمة الله، وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في الدنيا والآخرة، فإن لعنةَ اللهِ تُوجِبُ زوال النصر عنه من كلِّ وجهٍ، وبُعده عن أسباب الرحمة.
يؤيده أنه قال هنا: {وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } [الأحزاب:]،

ولم يجئ العذاب المُهين في القرآن إلا للكافرين، كقوله: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ }  [البقرة:].وأما قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ } [النساء:]؛

فهي فيمن جحد الفرائض واستخفَّ بها، على أنه لم يذكر أنه أعدَّه له. والعذاب إنما أُعِدَّ للكافرين، فإنَّ جهنمَ لهم خُلِقت؛ لأنهم لا بُدَّ لهم من دخولها  وما هم منها بمُخْرَجين.


وأما أهل الكبائر من المؤمنين فيجوز ألا يدخلوها إذا غُفِر لهم، وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بَعْد حين.
الدليل السادس: قوله – سبحانه -: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية [الحجرات:].


فوجه الدلالة: أنه – سبحانه – نهاهم عن رفع أصواتهم فوقَ صوتِهِ، وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعضٍ، لأن ذلك قد يُفْضي إلى حُبوط العمل وصاحبه لا يشعر،

وما يُفْضي إلى حبوط العمل يجبُ تركُه غايةَ الوجوب، والعملُ يحبطُ بالكفر لقوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة:]

ولا تحبط الأعمال بغير الكفر، لأن من مات مؤمنًا لا بُدَّ له من دخول الجنة، ولو حبط عملُه كلُّه لم يدخلها، نعم قد يبطل بعضُها بوجود ما يفسده، كالمنِّ والأذى.


وإذ ثبتَ أن رفعَ الصوت والجهر به يُخاف منه أن يكفر صاحبُه وهو لا يشعُر؛

لأن فيه سوء أدب واستخفاف وهو لا يشعر به؛ فكيف بمن يسبُّه ويستخفُّ به ويؤذيه مع قصده له وتعمُّده لذلك؟! فهو كافر بطريق الأَوْلى.
الدليل السابع: قوله – سبحانه -: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} إلى قوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور].


فأمر من يخالف أمره أن يحذر الفتنة وهي الرِّدَّة والكفر، لقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة:].


قال الإمام أحمد : “الفتنة الشرك، لعلَّه إذا  ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شئٌ من الزيغ فيُهْلِكَه” وجعل يتلو هذه الآية: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية [النساء:].


قال : فأَتعجَّبُ من قومٍ عرفوا الإسنادَ وصحتَه ويذهبون إلى رأي فلان أو فلان، قال: فقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور:] تدري ما الفتنة؟ الكفر، فيدعون الحديثَ وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي.


وإذا كان المخالف  لأمره قد حُذِّر من الكفر أو العذاب الأليم، وإفضاؤه إلى الكفر إِنَّما هو لما قد يقترنُ به من استخفافٍ بحقِّه كما فعل إبليس، فكيف بمن عمل ما هو أعظم من ذلك من السبِّ والانتقاص ونحوه؟!


وهذا باب واسعٌ مع أنه بحمد لله مُجْمَعٌ عليه.
الدليل الثامن : أنه – سبحانه – قال: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا … } [الأحزاب:].

فحرَّم على الأمَّة أن تنكح أزواجه من بعده؛ لأنه يؤذيه، وجَعَله عظيمًا عند الله، ثم إن من نكح أزواجه أو سرارِيْه عقوبته القتل جزاءً له بما انتهك من حُرمته، فالشَّاتِم له أولى،

والدليل على ذلك ما رواه مسلم في “صحيحه”  عن أنسٍ أن رجلًا كان يتَّهم بأُمِّ ولد النبي – صلى الله عليه وسلم -، فأمر عليًّا أن يضربَ عُنُقَه، فأتاه عليٌّ فإذا هو في رَكيٍّ  يتبرَّد،

فقال له: اخرج، فتناول يده فأخرجه، فإذا هو مَجْبُوب ليس له ذَكَر، فكفَّ عليٌّ، ثم أتى النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فقال له: إنه مجبوب ما له ذَكَر.


وكذلك لما تزوَّج رسول الله قَيْلَةَ  بنت قَيْس أخت الأشعث، ومات قبل أن يدخل بها وقبل أن تَقْدَم عليه ، وقيل: إنه خيَّرها بين  أن يضرب عليها الحجاب وتكون من أمهات المؤمنين،

وبين أن يطلِّقها فتنكح من شاءت، فاختارت النكاحَ، فتزوَّجها عكرمةُ بعد رسول الله، فبلغ أبا بكرٍ فَهَمَّ بقتلهما حتى قال له عمر: ما هي من أمهات المؤمنين، فتركها :

📚كتاب: (الصارم المسلول على شاتم الرسولﷺ)


اكتشاف المزيد من جوامع الكلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق