وكما رَوَاهُ الإِمَام ابْن تَيْمِية عَن ابْن التلمساني أَنه قَالَ وَقد قرئَ عَلَيْهِ الفصوص وَقيل لَهُ هَذَا كُله مُخَالف لِلْقُرْآنِ فَقَالَ الْقُرْآن كُله شرك وَإِنَّمَا التَّوْحِيد قَوْلنَا وَقيل لَهُ مَا الْفرق بَين أُخْتِي وزوجتي قَالَ لَا فرق عندنَا قَالُوا حرَام فَقُلْنَا حرَام عَلَيْكُم
وَقَالَ ابْن تَيْمِية فِي كِتَابه منهاج السّنة إِن ابْن سبعين جَاءَ من الْمغرب إِلَى مَكَّة وَكَانَ يطْلب أَن يصير نَبيا وَكَانَ يَقُول لقد زرت ابْن آمِنَة الَّذِي يَقُول لَا نَبِي بعدِي وَكَانَ بارعا فِي الفلسفة وَفِي تصرف الفلسفة
فَإِن قلت مَا هَذِه الْوحدَة الَّتِي جَعلتهَا من أعظم خِصَال الْكفْر
قلت قَوْلهم إِن الله سُبْحَانَهُ حَقِيقَة كل مَوْجُود من جسم وَعرض ومخيل وموهوم تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلِهَذَا فرعوا على هَذِه الْمقَالة الملعونة فروعا كفرية مِنْهَا تصويب عَبدة الْأَوْثَان وَمِنْهَا تخطئة الْأَنْبِيَاء فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِم وَمِنْهَا عدم صِحَة لَا إِلَه إِلَّا الله كَمَا صرح بذلك ابْن عَرَبِيّ قَالَ لِأَن الِاسْتِثْنَاء يسْتَلْزم التَّعَدُّد وَلَا تعدد
سماهم الْقُسْطَلَانِيّ الليسية لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ لَيْسَ إِلَّا الله
قَالَ ابْن تَيْمِية وَلِهَذَا كَانَ يَقُول ابْن سبعين وَأَصْحَابه فِي ذكرهم لَيْسَ إِلَّا الله وَكَانَ يسميهم الشَّيْخ قطب الدّين ابْن الْقُسْطَلَانِيّ
الليسية ويحذر مِنْهُم وَإِلَى هَذَا الأَصْل مرجع كلماتهم المستبشعة ودعاويهم المتنوعة كَقَوْل قَائِلهمْ خضت بحرا وقف الْأَنْبِيَاء بساحله أسرجت وألجمت وطفت فِي أقطار البسيطة ثمَّ ناديت هَل من مبارز فَلم يخرج إِلَيّ أحد لَو تحركت نملة سَوْدَاء فَوق صَخْرَة صماء فِي لَيْلَة ظلماء فِي أقْصَى الصين وَلم أسمعها لَقلت إِنِّي مخدوع واستدرك عَلَيْهِ الآخر فَقَالَ وَكَيف أَقُول لم أسمعها وَأَنا محركها
وَقَالَ قَائِلهمْ مَا الْجنَّة هَل هِيَ إِلَّا لعبة صبيان لأسيرن غَدا إِلَى النَّار وَأَقُول اجْعَلنِي فدى أَهلهَا أَو لأبلغنها هَب لي هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَمَا هم حَتَّى تُعَذبهُمْ سبحاني مَا أعظم شأني أَنا الْحق
وَنَحْو هَذِه الْعبارَات الَّتِي يسْتَغْفر الله من رسمها وَلَوْلَا أَن حِكَايَة الْكفْر لَا تكون كفرا لما حل حِكَايَة نهيق هَؤُلَاءِ المخذولين والاشتغال بِإِبْطَال هَذِه الْمقَالة الَّتِي اخترعتها الاتحادية بالأدلة الْعَقْلِيَّة والنقلية لَا يحْتَاج إِلَيْهِ من عرف سُورَة من كتاب الله لِأَن الْقُرْآن كُله مُصَرح بِخِلَافِهَا هَذِه فَاتِحَة الْكتاب قد اشْتَمَلت على أَكثر من عشرَة أَدِلَّة مبطلة لهَذِهِ الْمقَالة لِأَن الله جلّ جَلَاله قد جعل فِيهَا حامدا ومحمودا وَربا ومربوبا وراحما ومرحوما ومالكا ومملوكا وعابدا ومعبودا ومستعينا ومستعانا بِهِ وهاديا ومهديا ومنعما ومنعما عَلَيْهِ وغاضبا ومغضوبا عَلَيْهِ وَغير ذَلِك وَقد تنزهت الْملَل الكفرية عَن مثل هَذِه الْمقَالة يهودهم ونصاراهم ومشركوهم
أما الْيَهُود فَهُوَ مَعْلُوم من دينهم بِالضَّرُورَةِ قَالُوا ادْع لنا
رَبك) {قَالُوا لَئِن لم يَرْحَمنَا رَبنَا وَيغْفر لنا لنكونن من الخاسرين} وَكَذَلِكَ النَّصَارَى {قَالَ الحواريون يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء} وَالْمُشْرِكُونَ {وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله} فاليهود قد أثبتوا راحما ومرحوما وعابدا ومعبودا وَالنَّصَارَى أثبتوا منزلا ومنزلا عَلَيْهِ وَالْمُشْرِكُونَ أثبتوا خَالِقًا ومخلوقا
وَالْقُرْآن مشحون بِمثل هَذَا فِي الحكايات عَن الْملَل الْمُخْتَلفَة بل تنزهت عَن هَذِه الْمقَالة الْجِنّ قَالَت {وَأَنه تَعَالَى جد رَبنَا مَا اتخذ صَاحِبَة وَلَا ولدا} وَهَذِه الْمَلَائِكَة تَقول {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك} فأثبتوا جاعلا ومجعولا ومفسدا ومفسدا فِيهِ ومسبحا ومسبحا لَهُ ومقدسا ومقدسا
التساؤل عَن أَدِلَّة صِحَة نِسْبَة هَذِه الْمقَالة إِلَيْهِم وَالرَّدّ عَلَيْهِ بِالنَّقْلِ من كتبهمْ بِمَا لَا يدع مجالا للشَّكّ
فَإِن قلت بِمَ صَحَّ لديك صُدُور هَذِه الْمقَالة عَنْهُم حَتَّى ترَتّب عَلَيْهَا مَا ذكرت
قلت قد أَسْفر الصُّبْح لذِي عينين هَذَا أَمر لَا يشك فِيهِ من لَهُ أدنى إِلْمَام بكتب الْقَوْم هَذِه الفتوحات والفصوص لِابْنِ عَرَبِيّ قد اشتهرا فِي الأقطار اشتهار النَّهَار وهما عِنْد من نظر بِعَين الْإِنْصَاف مشحونان بِهَذِهِ الْمقَالة وتشييدها وتوضيحها وَالِاسْتِدْلَال لَهَا حَتَّى كَأَنَّهُمَا لم يؤلفا لغَرَض من الْأَغْرَاض سوى هَذَا الْغَرَض وَهَذَا الْإِنْسَان الْكَامِل لعبد الْكَرِيم الجيلي اتِّحَاد مَحْض وَهَذِه تائية ابْن الفارض وخمرياته وَهَذِه كتب سَائِر أهل هَذِه الْمقَالة
(وهبك تَقول هَذَا الصُّبْح ليل … أيعمى المبصرون عَن الضياء)
فَإِن قلت أبن لي هَذِه الدعْوَة وَبرهن عَلَيْهَا ببرهان أجلى من هَذَا فَإِن الإحالة على مؤلفاتهم لَا تغنيني
قلت اسْمَع مَا نمليه عَلَيْك من هَذِه الخرافات الكفرية ونستغفر الله
قَالَ ابْن عَرَبِيّ لَا رَحمَه الله فِي خطْبَة فتوحاته المكية مَا لَفظه إِن خَاطب عَبده فَهُوَ المسمع السَّمِيع وَإِن فعل مَا أَمر بِفِعْلِهِ فَهُوَ المطاع الْمُطِيع وَلما خبرتني بِهَذِهِ الْحَقِيقَة أنشدت على علم الطَّرِيقَة للخليقة
(الرب حق وَالْعَبْد حق … يَا لَيْت شعري من الْمُكَلف)
(إِن قلت عبد فَذَاك نفي … أَو قلت رب أَنى يُكَلف)
فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُطِيع نَفسه إِذا شَاءَ بخلقه وَينصب نَفسه بِمَا يعين عَلَيْهِ من وَاجِب حَقه فَلَيْسَ إِلَّا الأشباح خَالِيَة على عروشها خاوية وَفِي تَرْجِيع الصدى سر مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ لمن اهْتَدَى
وَمن ذَلِك فِي أول الفتوحات أَيْضا فِي القصيدة الطَّوِيلَة
(قَالُوا لقد ألحقتنا بإلهنا … فِي الذَّات والأوصاف والأسماء)
(فَبِأَي معنى نَعْرِف الْحق الَّذِي … سواك خلقا فِي دحبى الأحشاء)
(قُلْنَا صدقت وَهل عرفت محققا … من موجد الْكَوْن الْأَعَمّ سوائي)
(فَإِذا مدحت فَإِنَّمَا أثني على … نَفسِي فنفسي غير ذَات ثنائي)
وَقَوله فِي الْبَاب الْعَاشِر
(أنظر الْحق فِي الْوُجُود ترَاهُ … عينه فالبغيض فِيهِ الحبيب)
(لَيْسَ عَيْني سواهُ إِن كنت تَدْرِي … فَهُوَ عين الْبعيد وَهُوَ الْقَرِيب)
(إِن رَآنِي بِهِ فَمِنْهُ أرَاهُ … أَو دَعَاني إِلَيْهِ فَهُوَ الْمُجيب)
وَقَوله فِي الْبَاب التَّاسِع عشر ومئة فِي ترك التَّوَكُّل
(كَيفَ التَّوَكُّل والأعيان لَيْسَ سوى … عين الْمُوكل لَا عين وَلَا أثر)
وَقَوله فِي الْبَاب التَّاسِع وَالْعِشْرين ومئة فِي ترك المراقبة
(لَا تراقب فَلَيْسَ فِي الْكَوْن إِلَّا … وَاحِد الْعين فَهُوَ عين الْوُجُود)
(وَتسَمى فِي حَالَة بإله … وتكنى فِي حَالَة بالعبيد)
وَقَالَ فِي الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ ومئة فِي ترك الْعُبُودِيَّة
(نَحن الْمظَاهر والمعبود ظاهرنا … ومظهر الْكَوْن عين الْحق فاعتبروا)
(وَلست أعبده إِلَّا بصورته … فَهُوَ الْإِلَه الَّذِي فِي طيه الْبشر)
وَقَالَ أَيْضا
(فَكَانَ عين وجودي عين صورته … وَحي صَحِيح فَلَا يدريه إِلَّا هُوَ)
وَقَوله وَقد زعم أَن الْحق تَعَالَى خاطبه بِهَذَا الْمَعْنى
(سبكتك فِي دَاري لإِظْهَار صُورَتي … فسبحانكم مجلى وَسُبْحَان سبحانا)
(فَمَا نظرت عَيْنَاك مثلي كَامِلا … وَلَا نظرت عَيْنَايَ مثلك إنْسَانا)
(فَلم يبْق فِي الْإِمْكَان أكمل مِنْكُم … نصبت على هَذَا من الشَّرْع برهانا)
(فَأَي كَمَال كَانَ لم يَك غَيْركُمْ … على كل وَجه كَانَ ذَلِك مَا كَانَا)
(ظَهرت إِلَى خلقي بِصُورَة آدم … وقررت هَذَا فِي الشَّرَائِع إِيمَانًا)
(فَلَو كَانَ فِي الْإِمْكَان أكمل مِنْكُم … لَكَانَ وجود النَّقْص فِي إِذا كَانَا)
(لِأَنَّك مَخْصُوص بِصُورَة حضرتي … وأكمل منا مَا يكون وَقد بانا)
فَهَذِهِ نبذة من نظم المخذول فَإِن كَانَت لَا تغنيك وَلَا أَغْنَاك الله فاسمع مَا هُوَ أوضح من ذَلِك من نثره قَالَ فِي الْبَاب السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ من الفتوحات
إِيرَاد تَفْسِير ابْن عَرَبِيّ لآيَات من الْقُرْآن على طَرِيقَته فِي إِثْبَات وحدة الْوُجُود
وَلِهَذَا لما سَأَلَ الله عِيسَى فَقَالَ {أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ} قدم التَّنْزِيه فِي هَذَا التَّشْبِيه مَا
يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق) يَعْنِي كَيفَ أنسب الْمُغَايرَة بيني وَبَيْنك فَأَقُول لَهُم اعبدوني من دون الله وَأَنت عين حقيقتي وذاتي وَأَنا عين حقيقتك وذاتك فَلَا مُغَايرَة بيني وَبَيْنك ثمَّ قَالَ {إِن كنت قلته} يَعْنِي نِسْبَة الْحَقِيقَة العيسوية أَنَّهَا الله {فقد عَلمته} أَنِّي لم أَقَله إِلَّا على الْجمع بَين التَّنْزِيه والتشبيه وَظُهُور الْوَاحِد فِي الْكَثْرَة لكِنهمْ ضلوا بمفهومهم وَلم يكن مفهومهم مرادي فِيمَا بلغت ذَلِك إِلَيْهِم من ظُهُور الْحَقِيقَة الإلهية أم كَانَ مرادي بِخِلَاف ذَلِك {وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك} يَعْنِي بلغت ذَلِك إِلَيْهِم وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك من أَن تضلهم عَن الْهدى فَلَو كنت أعلم ذَلِك لما بلغت إِلَيْهِم شَيْئا مِمَّا يضلهم {إِنَّك أَنْت علام الغيوب} وَأَنا لَا أعلم الغيوب فاعذرني {مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ} مِمَّا وجدت نَفسِي فبلغت الْأَمر ونصحتهم ليجدوا إِلَيْك فِي أنفسهم سَبِيلا فأظهرت لَهُم الْحَقِيقَة الإلهية وَذَلِكَ ليظْهر لَهُم مَا فِي أنفسهم وَمَا كَانَ قولي لَهُم إِلَّا {أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم} وَلم أخصص نَفسِي بِالْحَقِيقَةِ الإلهية بل أطلقت ذَلِك فِي جَمِيعهم فأعلمتهم بِأَنَّهُ كَمَا أَنَّك رَبِّي يَعْنِي حقيقتي أَنَّك رَبهم يَعْنِي حقيقتهم وَكَانَ الْعلم الَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى زِيَادَة على مَا فِي التَّوْرَاة هُوَ سر الربوبية وَالْقُدْرَة فأظهره وَلِهَذَا كفر قومه لإفشاء سر الربوبية انْتهى
📚كتاب:الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد