**حَكَى أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، حَتَّى إذَا كُنَّا بِبِلَادِ بَنِي فَزَارَةَ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الرَّبِيعِ نَزَلْنَا بِإِزَاءِ بَادِيَتِهِمْ، إذَا رَوْضٍ أَرِيضٍ، وَنَبَتَ عَرِيضٌ، تَخْضَعُ لِبَهْجَتِهَ الزَّرَابِيُّ الْمَبْثُوثَةِ، وَالنَّمَارِقَ الْمَصُفُوفِهِ، فَقَرَّتْ بِنَظِرَتُهَا الْعُيُونِ، وَارْتَاحَتْ إلَى حُسْنِهَا الْقُلُوبِ، وَانْفَرَجَتْ لِبَهْاءْ أَيُّهَا الصُّدُورُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ أَقْبَلَتْ السَّمَاءِ، فَأَسِفْتُ غَمَامُهَا، وَتَدَانِي رُكَامها حَتَّى إذَا كَانَ كَمَا قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: دَانَ مَسْفُ، فُوَيْقَ الْأَرْضِ هيدِبه … يَكَادُ يَدْفَعُهُ مِنْ قَامَ بِالرَّاحِهَمَّتْ بِرَذَاذٍ ثُمَّ بَطْشٍ ثُمَّ بِرَشٍّ، ثُمَّ بِوَابِلٍ، ثُمَّ أَقْلَعَتْ، وَقَدْ غَادَرَتْ الْغُدْرَانِ مُتْرَعَةً تَتَدَفَّقُ، وَالقِيعَانِ تَتَأَلقُ، وَرِياضاً مُونِقَةً، وَنَوَافِحَ مِنْ رِيحِهَا عَبَقُهِ، فَسَّرَحت طَرَفَيْ، وَاقِعًا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَنْظَرٌ، وَاسْتَنْشَقت مِنْ رِيَاحها أَطْيَبُ مِنْ الْمَسْلَكِ الْأَذْفَرُ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى أَوَائِلِهَا، إِذَا نَحْنُ بِخِبَاءٍ عَلَى بَابِهِ جَارِيَةً مُتَبَرْقِعَةً، تَرْنُو بِطَرَفِ مَرِيضَ الْجُفُونِ، وَسِنَانُ النَّظَرَ، قَدْ أُشْعِرَتْ لِوَاحَظَّهَا فُتُورًا، وَمُلِئَتْ سِحْرًا؛ فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أَسْتَنْطِقُهَا، فَقَالَ: وَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ؟ فَقُلْت: اسْتَسُقْهَا، فَاسْتَسْقَينَاهَا مَاءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ وَنِعِمَّا عَيْنٍ، وَإِنْ نَزَلْتُمْ فَعَلَى الرَّحْبِ وَالسَّعَةِ، ثُمَّ نَهَضَتْ تُتَّهَادي، كَأَنَّهَا خُوط بَانٍ، أَوْ قَضِيبٍ خَيْزُرَان، فَرَاعَنِي – وَاللَّهُ – حُسْنِهَا، وَمَا رَأَيْتُ مِنْهَا، ثُمَّ أَتَتْ بِالْمَاءِ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَصَبَبْتُ بَاقِيَةٌ عَلَى يَدَيْ، وَقُلْت: وَصَاحِبِي أَيْضًا عَطْشَانَ، فَأَخَذْتُ الْإِنَاءِ وَذَهَبَتْ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: مِنْ الَّذِي يَقُولُ: إِذَا بَارَكَ اللَّهُ فِي مَلْبَسٍ … فَلَا بَارَكَ اللَّهُ فِي الْبُرْقُعِيُرِيك عُيُونِ أَلَمُهَا غَرَّهُ … وَيَكْشِفُ عَنْ مَنْظَرٌ أَشْنَعُ.قَالَ وَسَمِعْتُ كَلَامَيْ، فَاتَتْ، وَقَدْ نُزِعَتْ الْبُرْقُعِ، وَلَبِسَتْ خِمَارًا أَسْوَدً وَهِيَ تَقُولُ: أَرَ حَيٌّ رَكْبِي مَعْشَرٍ قَدْ أَرَاهُمَا … أَطَالَا، وَلَمَّا يَعْرِفَا مُبْتَغَاهُمَا هُمَا اسْتَسْقَيَا مَاءً عَلَى غَيْرِ ظِمْأَةٍ … لِيَسْتَمْتِعَا بِاللَّحْظِ مِمَّنْ سَقَاهُمَا: .فَشبِّهَتْ كَلَامِهَا بِعَقْدٍ دُرٍّ، وَهِيَ سَلَكَهُ، فَانْتَثَرَ، بِنَغْمَةٍ عَذَّبَهُ رَخِيمه لَوْ خُوطِبَ بِهَا صُمْ الصِّلَابُ لِأَنَّجست، مَعَ وَجْهِ يَظْلمُ لِنُورِهِ ضِيَاءِ الْعُقُولِ، وَتَتْلَفُ فِي رَوْعَتُهُ مُهَجِ النُّفُوسِ، وَتَخِفُّ فِي مَحَاسِنِهِ رَزَانَةِ الْحَلِيمِ، وَيَحَارُ فِي بَهَائِهِ طَرَفِ الْبَصِيرِ، فَلَمْ أَتَمَالَكْ أَنْ خَرَرْتُ سَاجِدًا، وَأَطَلْت، مِنْ غَيْرِ تَسْبِيحٍ، فَقُلْتُ: ارْفَعْ غَيْرُ مَأْجُورٍ، لَا تُذَمُّ بَعْدَهَا بِرَقَعاً، فَلَرُبَّمَا انْكَشَفَ عَمَّا يَمْنَعُ الْكَرْيِ، وَيَحِلُّ الْقَوِيِّ، وَيُطِيلُ الْجَوِّيِّ، مِنْ غَيْرِ بُلُوغِ أَرَادَهُ، وَلَا قَضَاءَ وَطَرٌ، إلاَّ الْحِينِ الْمَجْلُوبِ، وَالْقَدْرِ الْمَكْتُوبِ، وَالْأَمَلِ الْمَكْذُوبِ، فَبَقِيَتْ – وَاللَّهُ – مَعْقُولٌ اللِّسَانِ عَنْ الْجَوَابِ، حَيْرَانُ لَا اهْتَدَى لِطَرِيقِ الصَّوَابِ، فَالْتَفَتَ إِلَى صَاحِبِي فَقَالَ، لِمَا رَأَى هَلِعَي، كَالْمُسْلِي عَنْ بَعْضِ مَا أَذْهَلَنِي: مَا هَذِهِ الْخِفَّةَ لِوَجْهِ بَرَقَتْ لَك مِنْهُ بَارِقَةٌ، وَلَا تَدْرِي مَا تَحْتَهُ، أَمَّا سَمِعْتُ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ: عَلَى وَجْهِ مِي مَسَحَهُ مِنْ مَلَّاحِهِ … وَتَحْتَ الثِّيَابِ الشِّينِ لَوْ كَانَ بَادِيًافَقَالَتْ: أَمَا مَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ، لَا أَبَا لَك، فَلَا، وَاللَّهُ؛ لِأَنِّي بِقَوْلِ الشَّاعِرِ أَشْبَهَ: مُنَعَّمَةً حَوْرَاءَ، يَجْرِي وَشَأْحها، … عَلَى كَشَح مَرَّتَج الرَّوَّادِف أَهْضَمَ خُزَاعِيَّةً الْأَطْرَافِ، مِرْيَةَ الْحَشَا … فَزَارية الْعَيْنَيْنِ، طَائِيَّةِ الْفَمُ لَهَا بِشْرٌ صَافٌ، وَعَيَّنَ مَرِيضَةً … وَأَحْسَنُ إيمَاءً بِأَحْسَنِ مِعْصَمٍ. ثُمَّ رُفِعَتْ ثِيَابًا، حَتَّى بَلَغَتْ بِهَا نَحَرَهَا، وَجَاوَزَتْ مَنْكِبَيْهَا، فَإِذَا فِضَّةٌ قَدْ شَيْبَت بِمَاءِ الذَّهَبِ، تَهْتَزُّ عَلَى مِثْلِ قَضِيبٍ نَقًا، وَصَدَّرَ عَلَيْهِ كَالرُّمَّانَتَيْنِ، وَخَصِرٌ لَوْ رَمَتْ عَقْدِهِ لَانْعَقَدَ، مُنْطَوِي الِانْدِمَاجَ، عَلَى كَفْلِ رَجْرَاج، وَسِرُّهُ مُسْتَدِيرَةً، يَقْصُرُ فَهْمِي عَنْ بُلُوغِ نَعَتَهَا، وَفَخْذَانِ لِفَاوَانٍ، وَسَاقَانِ تَخْرُسَانِ الْخَلاخِلَ، وَقَدَمَانِ كَأَنَّهُمَا لِسَانَانِ. ثُمَّ قَالَتْ: أَشَيْنٌ مَا تَرَى؟ لَا أَبَا لَك، قُلْت: لَا، وَاللَّهِ، وَلَكِنْ سَبَبُ الْقَدْرِ الْمُتَاحِ، وَمُقَرِّبٌ مِنْ الْمَوْتِ الصُّرَاحُ، فَيُطَبَّقُ عَلَى الضِّرِيحِ، وَيَتْرُكُنَيْ جَسَدًا بِغَيْرِ رَوْحٍ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَتْ عَجُوزٍ مِنْ الْخِبَاءِ، وَقَالَتْ: امْضِ لِشَأْنِكَ؛ فَإِنْ قَتِيلِهَا مَطْلُول لَا يُؤَدِّي، وَأَسِيرُهَا مكبُولُ لَا يَفْدِي، قَالَتْ:
📚كتاب: حدائق الأزهار