[معن بن زائدة]

#الحـلــــــــــــــــم

معن بن زائدة: حين يكون الحلم سيد الشجاعة
في سيرة العرب رجالٌ نُقِشَت أسماؤهم في الذاكرة لا بحدِّ السيف، بل بسمو الخلق واتساع الصدر. ولعلّ من أعظمهم معن بن زائدة الشيباني، فارسٌ وقائد، ولكن قبل ذلك إنسانٌ عظيم الطبع، نبيل الخُلُق، عُرف عنه السخاء والحِلْم، حتى ضُرب به المثل في ذلك.
الأعرابي المستفزّ
يروي التاريخ أن أعرابيًّا دخل على معن، وكان الأمير آنذاك، فخاطبه بكلماتٍ تنضح بالازدراء، يريد أن يستثير كبرياءه ويُحرّك الغضب في قلبه، فقال:

أتذكر إذ لحافك جلدُ شاةٍ
وإذ نعلاك من جلد البعير؟
فسبحان الذي أعطاك ملكًا
وعلّمك الجلوس على السرير!
كلماتٌ لو قيلت لغير معن، لأهدر بسببها دمُ قائلها، لا سيّما في مجلسٍ ملؤه الحاشية والحرس، حيث لا يُسمح بالجرأة على الأمراء. وما إن فرغ الأعرابي من هجائه، حتى اضطرب المجلس، وتهامس الحاضرون غضبًا، وهمّ بعضهم بقتل الرجل.
لكن معنًا رفع يده إشارةً لهم بالكف، ثم نظر إلى الأعرابي بهدوءٍ يحكي عن ثقةٍ وثبات، وقال:

نعم، أذكر ذلك، وكان فضلُ الله عليّ عظيمًا.
الموقف ينقلب
فلما رأى الأعرابي أن الأمير لم يغضب، بل اعترف بماضيه بتواضعٍ وعزّة، استحيا الرجل، وغيّر لهجته، ثم قال مادحًا:

فثبّتك الإله على المعالي
فإنك في القياس هو الأمير
وإنك من قبيلةٍ قد سمت
بها الأخلاق والكرم الوفير
فما في الأرض مثلك من كريم
ولا فيها لمكرمةٍ نظير!
ضحك معن، وازداد إعجابه بحسن المخرج، وأمر له بجائزة كبيرة، كما هي عادته مع من يُحسن، حتى ولو بدأ بالإساءة.
عظمة الموقف
هذا الموقف لا يُروى لمجرد الطرافة، بل لأنه يجمع أعلى درجات الشجاعة النفسية. فمعن لم يكن عاجزًا عن الرد، بل امتلك القدرة على العقاب، ولكنه آثر العفو، وأظهر الحلم، وأثبت أن القوة الحقيقية ليست في البطش، بل في ضبط النفس.
لقد أدرك أن الناس لا تهاب السيف قدر ما تهاب العقل الراجح والصدر الواسع، وأن من ملك نفسه في ساعة الغضب، ملك القلوب في كل حين.
درس للأجيال
في زمنٍ يشتعل فيه الناس من كلمة، ويُراق فيه ماء الوجه على توافه الأمور، تأتي هذه القصة لتقول:

كن كمعن؛ إن استفزك الجاهل فابتسم، وإن أتاك الشتّام فاعفُ، فإن في الحِلم عزة لا تُنال بالسيوف.



اكتشاف المزيد من جوامع الكلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق