إذا أُعلنت الفاحشة… نطقت السنن الإلهية :
قال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قال:
أقبلَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ فقال:
«يا معشرَ المهاجرين، خمسٌ إذا ابتُليتُم بهنَّ – وأعوذُ بالله أن تُدرِكوهنَّ –:
لم تَظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتى يُعلِنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا،
ولم يَنقُصوا المكيالَ والميزانَ إلا أُخذوا بالسنينَ وشدَّةِ المؤونةِ وجورِ السلطانِ عليهم،
ولم يمنَعوا زكاةَ أموالِهم إلا مُنعوا القطرَ من السماءِ، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا،
ولم ينقُضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سلَّطَ اللهُ عليهم عدوًّا من غيرِهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم،
وما لم تحكُم أئمتُهم بكتابِ اللهِ ويتخيَّروا مما أنزلَ اللهُ إلا جعلَ اللهُ بأسَهم بينهم»
(رواه ابن ماجه).
سبحان الله العظيم، حديثٌ كاملٌ لو تدبّره الناس لاستغنوا به عن آلاف التحليلات السياسية والاجتماعية، فهو لا يصف حادثةً عابرة، ولا يعالج ظرفًا مؤقّتًا، بل يكشف سننًا ثابتةً إذا ظهرت أسبابها وقعت نتائجها، لا تتخلّف ولا تحابي أحدًا.
لم يبدأ النبي ﷺ بالكلام عن السياسة ولا عن الحروب، بل بدأ بالفاحشة إذا أُعلنت، لأن فساد الظاهر لا يقع إلا بعد فساد الباطن، ولأن الأمم لا تُهزم من خارجها حتى تُهزم من داخلها، فإذا مات الحياء وسقطت الفطرة لم يبقَ حاجز يمنع الانهيار.
لم يقل ﷺ: إذا وُجدت الفاحشة، بل قال: «حتى يُعلِنوا بها»، فكم من ذنب يُستَر فيُرجى لصاحبه العفو، وكم من معصية تُخفى فيُفتح لصاحبها باب التوبة، لكن الكارثة حين تتحوّل الرذيلة إلى ثقافة، والمعصية إلى حق، والفساد إلى هوية تُدافع عنها القوانين والمنصّات.
ونحن اليوم لا نحتاج إلى عناء البحث عن المثال، فالفواحش تُبث ليلًا ونهارًا، وتُزيَّن للأبناء والبنات، ويُسخَر من العفّة، ويُتَّهَم الطهر بالتخلّف، ثم يُستغرب بعد ذلك انتشار الأوجاع والأمراض والاضطرابات التي لم يعرفها الأوّلون.
صدق رسول الله ﷺ حين قال: «الأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم»، فالأسماء تتغيّر، لكن الحقيقة واحدة، أمراض في الجسد، واضطراب في النفس، وفراغ في الروح، رغم وفرة المال وتقدّم الطب، وكأن الإنسان عولج من كل شيء إلا من نفسه.
ثم يربط ﷺ بين فساد الأخلاق وفساد الاقتصاد، وبين أكل الحرام وجور السلطان، وبين منع الزكاة واحتباس المطر، ليُفهم الأمة أن البلاء لا ينزل عبثًا، وأن الظلم إذا شاع لم يُصِب ظالمًا وحده، بل عمّ الناس جميعًا، ولولا البهائم لهلك الخلق.
ويختم ﷺ بتحذيرٍ هو من أخطر ما يكون، حين تُهمَل شريعة الله، ويُستبدل حكمه بأهواء البشر، فيجعل الله بأس الأمة بينها، فتتنازع، وتتقاتل، وتختلف، ويهلك بعضُها بعضًا، دون حاجة إلى عدو خارجي.
إنه حديث لا يحتاج إلى إسقاط، فالواقع يشرحه بنفسه، ولا يحتاج إلى تأويل، فالأيام تفسّره صباح مساء، وصدق الله وصدق رسوله ﷺ، وما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة.
وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
