#الـدنــــــيـا
مـــاشـــــاءُ الــلــــــه لا قـــوَّةَ إِلَّا بِالــلــــــه :
فليتأمّل العاقل حين يجلس على شاطئ البحر بسكون قلبٍ وحضور عقل
ينظر إلى البحر ثم يعيد النظر ثم يمعن النظر حتى يتجلّى الاتساع
ماءٌ لا يُحصى وأفقٌ لا يُدرَك وعمقٌ تعجز العقول عن تصوّره
ثم ليتفكّر أن ما تراه عينه مهما طال نظره واتّسع مداه
ليس إلا جزءًا يسيرًا من هذا الخلق العظيم الباهر
ثم ليغمس إصبعه في اليم غمسةً خفيفة متأنّيًا متفكّرًا
فلينظر بمَ يرجع إصبعه قطرة بل أقل من قطرة يسيرة
ثم لينظر إلى البحر مرة أخرى بعين العقل والبصيرة
هل نقص منه شيء أو تغيّر حاله أو تأثّر بما أُخذ منه
كلا والله ما نقص وما تغيّر وما تأثّر على كثرة العطاء
وهنا يقف القلب طويلًا عند البيان النبوي الجليل العظيم
الذي ضربه رسول الله ﷺ مثلًا للدنيا والآخرة
فقال ﷺ ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم
فلينظر بمَ يرجع: رواه مسلم في صحيحه كتاب الجنة:
فالدنيا كلها بما فيها من أعمار وأموال وسلطان ومتاع
وبما فيها من لذّات وآلام وتقلبات وأحوال
ليست في ميزان الآخرة إلا تلك القطرة الزائلة الحقيرة
إذا قيست ببحر النعيم المقيم الذي لا يزول ولا ينفد
وهذا البحر العظيم في الآخرة ليس لمؤمنٍ واحد دون غيره
بل لكل مؤمن نصيب كامل فيه على قدر إيمانه وعمله
غير أن العطاء يتفاوت بتفاوت الدرجات والمنازل
ولا يُظلَم أحد ولا يُنقَص نعيم أحد بسبب غيره
وقد ثبت في الحديث القدسي الصحيح سعة عطاء الله وكمال ملكه
قال الله تعالى على لسان نبيّه ﷺ
لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد
فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي
إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر رواه مسلم
فسبحان من خزائنه ملأى وعطاؤه لا ينفد
وسبحان من يعطي الخلق جميعًا ولا ينقص من ملكه شيء
وسبحان من وسعت رحمته كل شيء علمًا وقدرة
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
ما أعظمك يا رب وما أكرمك
خلقت الدنيا دار ابتلاء وجعلت الآخرة دار جزاء وبقاء
فطوبى لمن عرف قدر هذه واستعد لتلك
لا إله إلا الله وحده لا شريك له
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
يعطي ويمنع ويبتلي ويجزي بحكمة وعدل
ويزن الأمور بميزان الحق لا بميزان الأهواء
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
سبحان من حقّر الدنيا في أعين أوليائه
ورفع الآخرة في قلوبهم وزيّنها لهم
وجعل البحر آية والقطرة عبرة للمتفكّرين
فيا من شغلته الدنيا عن الآخرة وغرّه بريقها
قف وقفة صدق مع نفسك وتأمّل هذا المثل العظيم
ثم انظر بمَ ترجع من دنياك عند لقاء ربك
وهل تستحق هذه القطرة الزائلة أن يُفرَّط في بحرٍ لا ساحل له.
(الدنيا في الأخرة)
اكتشاف المزيد من جوامع الكلم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.