أنواع الحركة ومصدرها
وأمَّا الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقرِّه ومركزه.
وتلك تابعةٌ للحركة التي اقتضت خروجَه عن مركزه، وهي القَسْرية؛ التي إنَّما تكون بقسرِ قاسرٍ أخرجَه عن مركزه.
إما باختياره، كحركة الحجر إلى أسفلَ إذا رُمِيَ به إلى جهة فوق.
وإمَّا بغير اختيار مُحَرِّكه، كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مَهَابِّها.
وهذه الحركة تابعةٌ للقاسر، وحركةُ القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره.
تدبير الملائكة للعالم العلوي والسفلي
فإن الملائكة مُوَكَّلَةٌ بالعالم العُلويِّ والسُّفلي، تُدبِّره بأمر الله عزَّ وجلَّ كما قال تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}، وقال: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا}.
وقال تعالى: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا}.
وقال: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}.
توكيل الملائكة بالظواهر الكونية والطبيعية
وقد وكَّل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكةً تُحرّكها.
ووكَّلَ بالرياح ملائكةً تُصرِّفها بأمره، وهم خَزَنتُها، قال تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}.
قال غيرُ واحد من السلف: عَتَتْ على الخُزَّان فلم يقدروا على ضبطها. ذكره البخاري في صحيحه.
ووكَّلَ بالقطر ملائكةً، وبالسَّحاب ملائكةً تسوقه إلى حيث أُمرت به.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: بينا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأرْضِ إذْ سَمِعَ صوتًا في سَحَابةٍ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ فتَتَبَّعَ السَّحابةَ حتَّى انْتَهَتْ إلى حَدِيقةٍ فَأَفْرَغَتْ مَاءَهَا فِيهَا فَنَظَرَ فإذا رَجُل في الحَدِيقَةِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحَاته،
فقال لَهُ ما اسْمُك ياعَبْدَ الله فَقَال فلانٌ للاسم الَّذي سمِعه في السَّحَابةِ فقالَ إنّي سمعْتُ قائِلًا يقُولُ في هذه السَّحَابةِ اسْقِ حَدِيقةَ فُلانٍ فما تصنع في هذه الحَدِيقةِ فقال إنِّي أنْظُرُ ما يَخْرُجُ منها فأجعَلُهُ ثلاثة أثْلَاثٍ ثُلُثٌ أَتَصَدَّقُ به وثُلُثٌ أُنْفِقُهُ على عِيالي وثُلُثٌ أرُدُّهُ فِيهَا.
ووكَّل الله سبحانه بالجبال ملائكةً، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه جاءه ملك الجبال يسلّم عليه ويستأْذنه في هلاك قومه إن أحبَّ فقال: بَلْ أَسْتَأني بهم لَعَلَّ الله أنْ يُخْرِجَ منْ أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُد الله لا يُشْرِكُ به شيئًا.
وكذلك البحارُ قد وُكِّلت بها ملائكةٌ تسجرُها، وتمنعُها أن تفيضَ عَلَى الأرض، فتغرق أهلها.
توكيل الملائكة ببني آدم ومنازل الآخرة
ووكّل بالرّحِم ملكًا يقول: يا ربِّ نطْفةٌ يا ربِّ علقةٌ يا ربِّ مضغةٌ يا ربّ ذكرٌ أم أُنثى فما الرزق فما الأجل وشقيٌّ أم سعيد.
ووكّل بكل عبدٍ أربعةً من الملائكة في هذه الدنيا: حافظانِ عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله، ومُعَقِّبَاتٌ من بين يديه ومن خلفه، أقلُّهم اثنان، يحفظونه من أمر الله.
وكذلك أعمالُ بني آدم خيرُها وشرُّها قد وُكِّلت بها ملائكةٌ تُحصيها، وتحفظُها، وتكتُبها.
ووكَّل بالموت ملائكةً، ووكَّل بمُساءلة الموتى ملائكةً في القبور.
ووكَّل بالرَّحمة ملائكةً، وبالعذاب ملائكةً، وبالمؤمن ملائكةً يُثَبِّتونه، ويَؤزُّونه إلى الطاعات أزًّا.
ووكَّل بالنَّار ملائكةً يبنونها، ويُوقدونها، ويصنعون أغلالَها وسلاسلَها، ويقُومون بأمرها.
ووكَّل بالجنة ملائكةً يبنونها، ويفرشونها، ويصنعونَ أرائكها، وسُرُرَها، وصِحافها، وَنمارِقَها، وزَرابيَّها.
كمال طاعة الملائكة وأهمية الإيمان بهم
فأمْرُ العالم العُلويِّ والسُّفليِّ والجنَّة والنَّار بتدبير الملائكة بإذن ربهم تبارك وتعالى وأمرِه، {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} و {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
فأخبرَ أنَّهم لا يعصونه في أمره، وأنَّهم قادرون على تنفيذ أوامره، ليس بهم عجزٌ عنها، بخلاف من يترك ما أُمر به عجزًا، فلا يَعصي الله ما أمره، وإن لم يفعلْ ما أمره به.
ولهذا كان الإيمانُ بالملائكة أحدَ أركان الإيمان الذي لا يَتمّ إلا به، وهي خمس: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
وإذا عُرِفَ ذلك عُرف أنَّ كلَّ حركةٍ في العالم فسببُها الملائكة، وحركتُهم طاعةُ الله بأمره وإرادته.
فيرجعُ الأمر كلُّه إلى تنفيذ مراد الربِّ تعالى شرعًا وقَدَرًا، والملائكةُ هم المنفِّذون ذلك بأمره.
ولذلك سُمُّوا ملائكةً، من الأَلُوكَةِ، وهي الرسالة، فهم رُسُل الله في تنفيذ أوامره.
📚كـتــاب: روضة المحبين ونزهة المشتاقين .
