(كفر النصيرية والدروز وضلالهم)
٥٢٥٨ – هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الْمُسَمَّوْنَ بالْنُّصَيْرِيَّة هُم وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ أَكْفَرُ مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ بَل وَأَكْفَرُ مِن كَثِيرٍ مِن الْمُشْرِكِينَ، وَضَرَرُهُم عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- أَعْظَمُ مِن ضَرَرِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ، مِثْل كُفَّارِ التَّتَارِ والفرنج وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَظَاهَرُونَ عِنْدَ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّشَيُّعِ وَمُوَالَاةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُم فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِرَسُولِهِ وَلَا بِكِتَابِهِ، وَلَا بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ، وَلَا ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ، وَلَا جَنَّةٍ وَلَا نَارٍ، وَلَا بِأَحَد مِن الْمُرْسَلِينَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- وَلَا بِمِلَّة مِن الْمِلَلِ السَّالِفَةِ.
وَلَهُم فِي مُعَادَاةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَقَائِعُ مَشْهُورَةٌ، وَكتُبٌ مُصَنَّفَةٌ، فَإِذَا كَانَت لَهُم مُكْنَةٌ سَفَكُوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ؛ كَمَا قَتَلُوا مَرَّةً الْحُجَّاجَ وَأَلْقَوْهُم فِي بِئْرِ زَمْزَمَ، وَأَخَذُوا مَرَّةً الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَبَقِيَ عِنْدَهُم مُدَّةً، وَقَتَلُوا مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَشَايِخِهِمْ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللهُ تَعَالَى.
وَمِن الْمَعْلُومِ عِنْدَنَا أَنَّ السَّوَاحِلَ الشَّامِيَّةَ إنَّمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا النَّصَارَى مِن جِهَتِهِمْ، وَهُم دَائِمًا مَعَ كُلِّ عَدُوّ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُم مَعَ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَمِن أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عِنْدَهُمْ: فَتْحُ الْمُسْلِمِينَ لِلسَّوَاحِلِ، وَانْقِهَارُ النَّصَارَى؛ بَل وَمِن أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عِنْدَهُم انْتِصَارُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّتَارِ، وَمِن أَعْظَمِ أَعْيَادِهِمْ إذَا اسْتَوْلَى -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى- النَّصَارَى عَلَى ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَهُم أَلْقَابٌ مَعْرُوفَة عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ: تَارَةً يُسَمَّوْنَ الْمَلَاحِدَةَ، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْقَرَامِطَةَ، وَتَارَة يُسَمَّوْنَ، الْبَاطِنِيَّةَ، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْإِسْمَاعِيلِيَّة، وتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْنُصَيْرِيَّة، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الخرمية، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْمُحَمِّرَةَ.
وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِنْهَا مَا يَعُمُّهُمْ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ بَعْضَ أَصْنَافِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ يَعُم الْمُسْلِمِينَ، وَلبَعْضِهِمْ اسْمٌ يَخُصُّهُ، إمَّا لِنَسَب، وَإِمَّا لِمَذْهَب، وَإِمَّا لِبَلَدٍ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهُم كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ: ظَاهِرُ مَذْهَبِهِم الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ.
وَقَد دَخَلَ كَثِيرٌ مِن بَاطِلِهِمْ عَلَى كَثِيرٍ مِن الْمُسْلِمِينَ وَرَاجَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى صَارَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ طَوَائِفَ مِن الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَإِن كَانُوا لَا يُوَافِقُونَهُم عَلَى أَصْلِ كُفْرِهِمْ.
وَقَد اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْكحَ الرَّجُلُ مَوْلَاتِهِ مِنْهُمْ، وَلَا يَتَزَوَّجَ مِنْهُم امْرَأَةً، وَلَا تُبَاحُ ذَبَائِحُهُمْ.
وَأَمَّا أَوَانِيهمْ وَمَلَابِسُهُمْ: فَكَأَوَانِي الْمَجُوسِ وَمَلَابِسِ الْمَجُوسِ عَلَى مَا عُرِفَ مِن مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ.
وَالصَّحِيح فِي ذَلِكَ أَنَّ أَوَانِيَهُم لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهَا؛ فَإِنَّ ذَبَائِحَهُم مَيْتَةٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَ أَوَانِيَهُم الْمُسْتَعْمَلَةَ مَا يَطْبُخُونَهُ مِن ذَبَائِحِهِمْ فَتَنْجُسُ بِذَلِكَ.
فَأَمَّا الْآنِيَةُ الَّتِي لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُصُولُ النَّجَاسَةِ إلَيْهَا فَتُسْتَعْمَلُ مِن غَيْرِ غَسْلٍ؛ كَآنِيَةِ اللَّبَنِ الَّتِي لَا يَضَعُونَ فِيهَا طَبِيخَهُمْ، أَو يَغْسِلُونَهَا قَبْلَ وَضْعِ اللَّبَنِ فِيهَا، وَقَد تَوَضَّأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- مِن جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ.
فَمَا شُكَّ فِي نَجَاسَتِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهِ بِالشَّكِّ.
وَلَا يَجُوزُ دَفْنُهُم فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَن مَاتَ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَهَى نَبِيَّهُ -صلى الله عليه وسلم- عَن الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؛ كَعَبْدِ اللهِ ائن أُبيّ وَنَحْوِهِ، وَكَانُوا يَتَظَاهَرُونَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْجِهَادِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُظْهِرُونَ مَقَالَةً تُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَام، لَكِنْ يُسِرُّونَ ذَلِكَ فَقَالَ اللهُ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)} [التوبة: ٨٤]، فَكَيْفَ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُم مَعَ الزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ يُظْهِرُونَ الْكفْرَ وَالْإِلْحَادَ؟
وَأَمَّا اسْتِخْدَامُ مِثْل هَؤُلَاءِ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ أَو حُصُونِهِمْ أَو جُنْدِهِمْ فَإِنَّهُ مِن الْكَبَائِرِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَن يَسْتَخْدِمُ الذِّئَابَ لِرَعْيِ الْغَنَمِ.
وَالْوَاجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ قَطْعُهُم مِن دَوَاوِينِ الْمُقَاتِلَةِ (١)، فَلَا يُتْرَكُونَ فِي ثَغْرٍ وَلَا فِي غَيْرِ ثَغْرٍ؛ فَإِنَّ ضَرَرَهُم فِي الثَّغْرِ أَشَدُّ.بَل إذَا كَانَ وَليُّ الْأَمْرِ لَا يَسْتَخْدِمُ مَن يَغُشُّهُ وَإِن كَانَ مُسْلِمًا: فَكَيْفَ بِمَن يَغُشُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ؟
وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ هَذَا الْوَاجِبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ بَل أَيُّ وَقْتٍ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِبْدَالِ بِهِم وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا اُسْتُخْدِمُوا وَعَمِلُوا الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِمْ: فَلَهُم إمَّا الْمُسَمَّى وَإِمَّا أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُم عوقدوا عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا: وَجَبَ الْمُسَمَّى، وَإِن كَانَ فَاسِدًا: وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِن لَمْ يَكُن اسْتِخْدَامُهُم مِن جِنْسِ الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ فَهِيَ مِن جِنْسِ الْجَعَالَةِ الْجَائِزَةِ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُم فَالْعَقْدُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَلَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا قِيمَةَ عَمَلِهِمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَمَلًا لَهُ قِيمَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ؛ لَكِنْ دِمَاؤُهُم وَأَمْوَالُهُم مُبَاحَةٌ.
وَإِذَا أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ فَفِي قَبُولِهَا مِنْهُم نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ:
– فَمَن قَبِلَ تَوْبَتَهُم إذَا الْتَزَمُوا شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ أَقَرَّ أَمْوَالَهُم عَلَيْهِمْ.
– وَمَن لَمْ يَقْبَلْهَا لَمْ تُنْقَلْ إلَى وَرَثَتِهِمْ مِن جِنْسِهِمْ؛ فَإِنَّ مَالَهُم يَكُونُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ.
لَكِنَّ هَؤُلَاءِ (١) إذَا أُخِذُوا: فَإِنَّهُم يُظْهِرُونَ التَّوْبَةَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَذْهَبِهِم التَّقِيَّةُ وَكِتْمَانُ أَمْرِهِمْ، وَفِيهِمْ مَن يُعْرَفُ وَفِيهِمْ مَن قَد لَا يُعْرَفُ.
فَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُحْتَاطَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَا يُتْرَكُونَ مُجْتَمِعِينَ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِن حَمْلِ السِّلَاحِ، وَلَا أَنْ يَكُونُوا مِن الْمُقَاتِلَةِ، وَيَلْزَمُونَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ مِن الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيُتْرَكُ بَيْنَهُم مِن يُعَلِّمُهُم دِينَ الْإِسْلَامِ، وَيُحَالُ بَيْنَهُم وَبَيْنَ مُعَلِّمِهِمْ (٢).فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -رضي الله عنه- وَسَائِرَ الصَّحَابَةِ لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ وَجَاؤُوا إلَيْهِ قَالَ لَهُم الصِّدِّيقُ: اخْتَارُوا إمَّا الْحَرْبَ الْمُجْلِيَةَ، وَإِمَّا السِّلْمَ الْمُخْزِيَةَ؟
قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ هَذِهِ الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ قَد عَرَفْنَاهَا فَمَا السِّلْمُ الْمُخْزِيَةُ؟
قَالَ: تَدُون قَتْلَانَا وَلَا ندي قَتْلَاكُمْ، وَتَشْهَدُونَ أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، وَنقسمُ مَا أَصَبْنَا مِن أَمْوَالِكُمْ، وَتَرُدُّونَ مَا أَصَبْتُمْ مِن أَمْوَالِنَا، وَتُنْزَعُ مِنْكُمْ الْحَلَقَةُ وَالسِّلَاحُ، وَتُمْنَعُونَ مِن رُكُوب الْخَيْلِ، وَتُتْرَكُونَ تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ، حَتَّى يُري اللهُ خَلِيفَةَ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنَيْنِ أَمْرًا بَعْدَ رِدَّتِكُمْ (١).
فَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ، إلَّا فِي تَضْمِينِ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- قَالَ لَهُ: هَؤُلَاءِ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأُجُورُهُم عَلَى اللهِ.
يَعْنِي: هُم شُهَدَاءُ فَلَا دِيَةَ لَهُمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ هُوَ مَذْهَبُ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَاَلَّذِي تَنَازَعُوا فِيهِ تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، فَمَذْهَبُ أَكْثَرِهِمْ أَنَّ مَن قَتَلَهُ الْمُرْتَدُّونَ الْمُجْتَمِعُونَ الْمُحَارِبُونَ لَا يُضْمَنُ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ آخِرًا.
وَلَا ريبَ أَنَّ جِهَادَ هَؤُلَاءِ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِم مِن أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ وَأَكْبَرِ الْوَاجِبَاتِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِن جِهَادِ مَن لَا يُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ مِن الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّ جِهَادَ هَؤُلَاءِ مِن جِنْسِ جِهَادِ الْمُرْتَدِّينَ، وَالصِّدِّيقُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ بَدَؤوا بِجِهَادِ الْمُرْتَدِّينَ قَبْلَ جِهَادِ الْكُفَّارِ مِن أَهْل الْكِتَابِ؛ فَإِنَّ جِهَادَ هَؤُلَاءِ حِفْظ لِمَا فُتِحَ مِن بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن أَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْهُ، وَجِهَادَ مَن لَمْ يُقَاتِلْنَا مِن الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مِن زِيَادَةِ إظْهَارِ الدِّينِ، وَحِفْظ رَأسِ الْمَالِ مُقَدَّمٌ عَلَى الرِّبْحِ.وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٌ أَنْ يَقُومَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن الْوَاجِبِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَد أَنْ يَكتُمَ مَا يَعْرِفُة مِن أَخْبَارِهِمْ؛ بَل يُفْشِيهَا وَيُظْهِرُهَا لِيَعْرِفَ الْمُسْلِمُونَ حَقِيقَةَ حَالِهِمْ (١)، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَد أَنْ يُعَاوِنَهُم عَلَى بَقَائِهِمْ فِي الْجُنْدِ والمستخدمين، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَد السُّكُوتُ عَن الْقِيَامِ عَلَيْهِم بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَد أَنَّ يَنْهَى عَن الْقِيَامِ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا مِن أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى؛ وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: ٩]، وَهَؤُلَاءِ لَا يَخْرُجونَ عَن الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَالْمُعَاوِنُ عَلَى كَفِّ شَرّهِمْ وَهِدَايَتِهِمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ لَهُ مِن الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللهُ تَعَالَى؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ هِدَايَتُهُمْ.
فَالْمَقْصُودُ بِالْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ: هِدَايَةُ الْعِبَادِ لِمَصَالِحِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَمَن هَدَاهُ اللهُ سَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَن لَمْ يَهْتَدِ كَفَّ اللهُ ضَرَرَهُ عَن غَيْرِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجِهَادَ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَن الْمُنْكَرِ: هُوَ أَفْضَل الْأَعْمَالِ؛ كَمَا قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: “رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودةُ الصَّلَاةُ وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى.
📚كتاب: تقريب فتاوي بن تيمية