باب: ” لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله”
وقول الله تعالى: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} .
_________
قوله: “باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله تعالى”.
“لا” نافية ويحتمل انها للنهي وهو أظهر. قوله: “وقول الله تعالى: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} ٣ الآية” قال المفسرون: إن الله تعالى نهى رسوله عن الصلاة في مسجد الضرار، والأمة تبع له في ذلك، ثم إنه تعالى حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله صلي الله عليه وسلم وجمعا لكلمة المؤمنين، ومعقلا ومنزلا للإسلام وأهله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ” صلاة في مسجد قباء كعمرة ” وفي الصحيح.
” أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يزور قباء راكبا وماشيا “. وقد صرح أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء جماعة من السلف، منهم ابن عباس، وعروة; وعطية، والشعبي، والحسن وغيرهم.
قلت: ويؤيده قوله في الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} وقيل: هو مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ لحديث أبي سعيد قال: ” تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء. وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: هو مسجدي هذا٤ ” رواه مسلم، وهو قول عمر وابنه وزيد بن ثابت وغيرهم.
قال ابن كثير: وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية والحديث؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم بطريق أولى، وهذا بخلاف مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فلهذه الأمور نهى الله نبيه عن القيام فيه للصلاة. وكان الذين بنوه جاءوا إلى النبي صلي الله عليه وسلم قبل خروجه إلى غزوة تبوك فسألوه أن يصلي فيه، وأنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية، فقال: ” إنا على سفر; ولكن إذا رجعنا – إن شاء الله – فلما قفل – عليه السلام – راجعا إلى المدينة; ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعضه نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه فهدمه قبل قدومه إلى المدينة. “.
وجه مناسبة الآية للترجمة: أن المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله،كما أن هذا المسجد لما أعد لمعصية الله صار محل غضب لأجل ذلك، فلا تجوز الصلاة فيه لله. وهذا قياس صحيح يؤيده حديث ثابت بن الضحاك الآتي.
قوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} روى الإمام أحمد وابن خزيمة وغيرهما عن عويم بن ساعدة الأنصاري:
” أن النبي صلي الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: إن الله قد أحسن عليكم الثناء بالطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا ” وفي رواية عن جابر وأنس: ” هو ذاك فعليكموه ” رواه ابن ماجه وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم.
قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} قال أبو العالية: إن الطهور بالماء لحسن ولكنهم المتطهرون من الذنوب. وفيه إثبات صفة المحبة، خلافا للأشاعرة ونحوهم.
عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: ” نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلي الله عليه وسلم فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء
قوله: “وعن ثابت بن الضحاك قال: ” نذر رجل ٤ أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلي الله عليه وسلم فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم ” رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما.
قوله: “عن ثابت بن الضحاك” أي ابن خليفة الأشهلي، صحابي مشهور، روى عنه أبو قلابة وغيره. مات سنة أربع وستين.
قوله: “ببوانة” بضم الباء وقيل بفتحها. قال البغوي: موضع في أسفل مكة دون يلملم. قال أبو السعادات: هضبة من وراء ينبع.
قوله: ” فهل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ ” فيه المنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان وثن ولو بعد زواله. قاله المصنف – رحمه الله -.
قوله: “فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ “.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -: “العيد:
لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم ” رواه أبو داود وإسناده على شرطهما.اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد، إما بعود السنة أو الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك١ والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع أهل الجاهلية. فالعيد يجمع أمورا منها يوم عائد، كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا، وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدا. فالزمان كقول النبي صلي الله عليه وسلم في يوم الجمعة: ” إن هذا يوم قد جعله الله للمسلمين عيدا ” . والاجتماع والأعمال كقول ابن عباس: ” شهدت العيد مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ” والمكان كقول النبي صلي الله عليه وسلم: ” لا تتخذوا قبري عيدا ” ٤. وقد يكون لفظ العيد اسما لمجموع اليوم والعمل فيه وهو الغالب، كقول النبي صلي الله عليه وسلم ” دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا ” انتهى. قال المصنف: “وفيه استفصال المفتي والمنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية ولو بعد زواله”. قلت: وفيه سد الذريعة وترك مشابهة المشركين، والمنع مما هو وسيلة إلى ذلك. قوله: “فأوف بنذرك” هذا يدل على أن الذبح لله في المكان الذي يذبح فيه المشركون لغير الله. أي في محل أعيادهم، معصية؛ لأن قوله: “فأوف بنذرك” تعقيب
للوصف بالحكم بالفاء، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم. فيكون سبب الأمر بالوفاء خلوه عن هذين الوصفين. فلما قالوا: “لا” قال: “أوف بنذرك” وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانا لعيدهم، أو بها وثن من أوثانهم: مانع من الذبح بها ولو نذره. قاله شيخ الإسلام.
وقوله: ” فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ” دليل على أن هذا نذر معصية لو قد وجد في المكان بعض الموانع. وما كان من نذر المعصية فلا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء.
واختلفوا هل تجب فيه كفارة يمين؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد. أحدهما: يجب وهو المذهب. وروي عن ابن مسعود وابن عباس. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه; لحديث عائشة – رضي الله عنها – مرفوعا: ” لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين ” رواه أحمد وأهل السنن٢ واحتج به أحمد وإسحاق. والثاني: لا كفارة عليه. وروي ذلك عن مسروق والشعبي والشافعي؛ لحديث الباب. ولم يذكر فيه كفارة. وجوابه: أنه ذكر الكفارة في الحديث المتقدم. والمطلق يحمل على المقيد.
قوله: “ولا فيما لا يملك ابن آدم” قال في شرح المصابيح: يعني إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان ونحو ذلك. فأما إذا التزم في الذمة شيئا; بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق رقبة، وهو في تلك الحال لا يملك ولا قيمتها، فإذا شفي مريضه ثبت ذلك في ذمته.
قوله: “رواه أبو داود وإسناده على شرطهما” أي البخاري ومسلم.فيه مسائل:
الأولي: تفسير قوله {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} .
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض. وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال.
الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.
السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله.
السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله.
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية.
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
وأبو داود: اسمه سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزيد السجستاني صاحب الإمام أحمد، ومصنف السنن والمراسيل وغيرهما، ثقة إمام حافظ من كبار العلماء مات سنة خمس وسبعين ومائتين. رحمه الله تعالى.
📚كتاب: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد