ربحت  بأكلة

نبأنا علي بْن أبي علي البصري، أنبأنا أبي، قَالَ: حدثني أبو الحسين بْن عياش، قَالَ: حدثني جحظة، وقال: ” ربحت بأكلة افتديتها مع الحسن بْن مخلد خمس مئة دينار وخمس مئة درهم، وخمسة أثواب فاخرة وعتيدة طيب سرية، فقلت: كيف كان ذلك؟ فقال: كان الحسن بخيلا على الطعام، سمحا بالمال، وكان يأخذ ندماءه بغتة، فيسقيهم النبيذ ويؤاكلهم، فمن أكل قتله مثلا، ومن شرب معه على الخسف حظي به.
قَالَ: فكنت عنده يوما، فقال لي: يا أبا الحسن، قد عملت غداء على صبوح الجاشري.
قَالَ علي بْن أبي علي: يعني: الشرب قبل طلوع الفجر فبت عندي.
فقلت: لا يمكنني، ولكن أباكرك قبل الوقت، فعلى أي شيء عملت

أن نصطبح؟ فقال: قد أعد لنا كذا وكذا.
ووصف ما تقدم إلى الطباخ بعمله، فعقدنا الرأي على أن أباكره، وقمت، فجئت إلى بيتي ودعوت طباخي، فتقدمت إليه أن يصلح لي مثل ذلك بعينه، ويفرغ منه وقت العتمة، ففعل ونمت، وقمت وقد مضى نصف من الليل، فأكلت ما أصلح لي، وغسلت يدي، وأسرج لي، وأنا عامل على المضي إليه، إذ طرقتني رسله فجئته، فقال: بحياتي أكلت قلت: أعيذك باللَّه، انصرفت من عندك قبيل المغرب، وهذا نصف الليل، فأي وقت أصلح لي شيء، أو أي وقت أكلت؟ سل غلمانك على أي حال وجدوني؟ قالوا: وجدناه واللَّه يا سيدي، قد لبس ثيابه، وهو ذا ينتظر أن يفرغ من إسراج بغلة ليركبها.
فسر بذلك سرورا شديدا، وقدم الطعام، فما كان في فضل لشمه، فأمسكت عن تشعيثه ضرورة وهو يستدعي أكلي، ولو أكلت أحل دمي.
قَالَ: وكذا كانت عادته، فأقول له: هو ذا أكل يا سيدي، وفي الدنيا أحد يأكل أكثر من هذا؟ قَالَ: وانقضى الأكل، وجلسنا على الشرب، فجعلت أشرب بالأرطال وهو يفرح، وعنده أني أشرب على الريق أو ذلك الأكل الذي أكلت معه، ثم أمرني بالغناء، فغنيت، فاستطاب ذلك وطرب، وشرب أرطالا، فلما رأيت النبيذ قد عمل فيه، قلت: يا سيدي، تطرب أنت على غنائي، فأنا على أي شيء أطرب؟ فقال: يا غلام، هات دواة.
فأحضرت، فكتب لي رقعة، ورمى بها إلي، فإذا هي إلى صيرفي يعامله بخمس مئة دينار، فأخذتها وشكرته، ثم غنيت فطرب، وقد زاد سكره، فطلبت منه ثيابا، فخلع على خمسة أثواب من أنواع

الثياب، ثم أمر أن يبخر من كان بين يديه، فأحضرت عتيدة حسنة سرية فيها طيب كثير، وأخذ الغلمان يبخرون بها الناس، فلما انتهوا إلي، قلت: يا سيدي، وأنا أرضى بأن أتبخر حسب؟ فقال: ما تريد؟ قلت: أريد نصيبي من العتيدة.
قَالَ: قد وهبتها لك.
فأخذتها وشرب بعد ذلك رطلا آخر، واتكأ على مسورته، وكذا كانت عادته إذا سكر.
فقام الناس من مجلسه، وقمت وقد طلع الفجر وأضاء، وهو وقت يبكر الناس في حوائجهم، فخرجت كأني لص قد خرج من بيت قوم، على قفا غلامي الثياب والعتيدة كارة، فصرت إلى منزلي، ونمت نومة، ثم ركبت إلى درب عون أريد الصيرفي حتى لقيته في دكانه، فأوصلت الرقعة إليه، فقال: يا سيدي، أنت الرجل المسمى في التوقيع قلت: نعم.
قَالَ: أنت تعلم أن أمثالنا يعاملون للفائدة.
قلت: أجل.
قَالَ: ورسمنا أن نعطى في مثل هذا ما يخسر فيه، في كل دينار درهم، فقلت له: لست أضايقك في هذا.
فقال: ما قلت هذا لأربح عليك، ولكن أيما أحب إليك، تأخذ مثلما يأخذ الناس وهو ما عرفتك، أو تجلس مكانك إلى الظهر حتى أفرغ من شغلي، ثم تركب معي إلى داري، فتقيم عندي اليوم والليلة نشرب؟ فقد واللَّه سمعت بك، وكنت أتمنى أن أسمعك، ووقعت الآن إلي رخيصا، فإذا فعلت هذا دفعت إليك الدنانير بما تساوي من غير خسران؟

فقلت: بل أقيم عندك.
فجعل الرقعة في كمه، وأقبل على شغله وقوضه، فلما أذنت الظهر، جاء غلامه ببغل فاره، فركبه وركبت معه، فصرنا إلى دار سرية حسنة بفاخر الفرش والآلات، ليس فيها إلا جوار روم للخدمة من غير فحل، فتركني في مجلسي، ودخل، ثم خرج إلي بثياب أولاد الخلفاء من حمام داره، وتبخر، وبخرني بند عتيق حدة، وأكلنا أطيب طعام وأنظفه، ونمنا وقمنا إلى مجلس سري للشرب، فيه فواكه وآلات بمال، فشربنا ليلتنا، فكانت ليلتي عنده أطيب من أختها عند الحسن بْن مخلد، فلما أصبحنا أخرج كيسين، فإذا أحدهما دنانير، فوزن لي من أجودها خمس مئة، ثم فتح الآخر، فإذا هو دراهم طرية، فوزن لي منها خمسة مئة، فقال: يا سيدي، تلك ما أمرت به، وهذه يعني: الدراهم هدية مني، فأخذتها وانصرفت، وصار الصيرفي لي صديقا، وداره لي معقلا “

📚للخطيب البغدادي


اكتشاف المزيد من جوامع الكلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.