وصفُ نساءِ الجنَّة في كتاب الله تعالى
وقد وصفهنَّ الله تعالى بأنهنَّ كواعب، وهي جمع كاعِبٍ، وهي المرأة التي قد تكعَّب ثديُها، واستدار، ولم يتدَلَّ إلى أسفل، وهذا من أحسن خلق النِّساء، وهو ملازمٌ لسنِّ الشباب.
ووصفهنَّ بالحُور، وهو حُسْنُ ألوانِهنَّ وبياضُهُ.
قالت عائشة رضي الله عنها: البياض نصفُ الحسن.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا تمَّ بياضُ المرأة في حسن شعرها؛ فقد تمَّ حسنُها.
والعرب تمدحُ المرأة بالبياض، قال الشاعر:
بِيضٌ أوانسُ ما هممْنَ بريبةٍ … كظِباءِ مكَّة صَيْدُهنَّ حرامُ
يُحْسَبْنَ من لين الحديثِ زوانيًا … ويَصُدُّهُنَّ عن الخَنَا الإسلامُ
والعِينُ: جمعُ عَيْنَاء، وهي المرأةُ الواسعة العين مع شدَّة سوادها، وصفاء بياضها، وطولِ أهدابها وسوادها.
ووصفهنَّ بأنهنَّ خيْراتٌ حسان، وهو جمع خيْرة، وأصلها خيِّرة بالتَّشديد، كطَيِّبة، ثم خُفِّف الحرف، وهي التي قد جمعت المحاسن ظاهرًا وباطنًا، فكمل خَلْقها وخُلُقها، فهنَّ خيراتُ الأخلاق، حسانُ الوجوه.
ووصفهنَّ الله تعالى بالطَّهارة، فقال سبحانه:
{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة/٢٥]
طَهُرْنَ من الحيض والبول والنَّجوِ وكلِّ أذًى يكون في نساء الدُّنيا، وطهُرت بواطنُهنَّ من الغيرة، وأذى الأزواج، وتجنِّيهنَّ عليهم، وإرادة غيرهم.
ووصفهنَّ بأنَّهنَّ مَقْصُوراتٌ في الخيام، أي: ممنوعاتٌ من التبرُّج والتبذل لغير أزواجهنَّ، بل قد قُصِرْنَ على أزواجهنَّ، لا يخرجن من منازلهم، وقُصِرْن عليهم، فلا يُرِدن سواهم.
ووصفهنَّ سبحانه بأنهنَّ قاصراتُ الطَّرْف، وهذه الصِّفةُ أكمل من الأولى، ولهذا كنَّ لأهل الجنتين الأوليين، فالمرأة منهنَّ قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له ورضاها به، فلا يتجاوزُ طرفُها عنه إلى غيره، كما قيل:
أذودُ سَوَامَ الطَّرْفِ عنكَ وماله … على أحدٍ إلا عليك طريقُ
وكذلك حال المقصورات أيضًا، ولكن أولئك مقصوراتٌ، وهؤلاء قاصرات.
ووصفهنَّ سبحانه بقوله:
{أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة/٣٦ ـ ٣٧]
وذلك لفضل وطءِ البكر، وحلاوته، ولذاذته على وطء الثَّيِّب.
قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! لو مررت بشجرة قد رُعي منها، وشجرةٍ لم يُرْعَ منها؛ ففي أيِّهما كنت تُرتِع بعيرك؟
قال صلى الله عليه وسلم: «في التي لم يُرع منها» — يعني: أنه لم يتزوَّج بكرًا غيرها.
وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال لجابر رضي الله عنه لما تزوَّج امرأة ثيبًا:
«هلَّا بكرًا تُلاعبُها وتُلاعبك؟»
فإن قيل: فهذه الصفة تزول بأوَّل وطْءٍ، فتعود ثيِّبًا، قيل: الجواب من وجهين:
أحدهما: أنَّ المقصود من وطء البكر أنَّها لم تذُق أحدًا قبل وطئها، فتُزْرع محبته في قلبها، وذلك أكملُ لدوام العشرة، فهذا بالنسبة إليها. وأمَّا بالنسبة إلى الواطئ؛ فإنَّه يَرْعى روضةً أُنفًا لم يرْعَها أحدٌ قبله. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله:
{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن/٥٦]
ثم بعد هذا تستمرُّ له لذّةُ الوطءِ حال زوال البكارة.
والثاني: أنه قد رُوي أنَّ أهل الجنة كلما وطئ أحدهم امرأةً؛ عادت بكرًا كما كانت، فكلَّما أتاها وجدها بكرًا.
وأما العُرُبُ: فجمعُ عروب، وهي التي جمعت إلى حلاوة الصُّورة حسن التأتي، والتبعُّل، والتحبُّب إلى الزوج بدَلِّها وحديثها وحلاوة منطقها وحسن حركاتها.
وأما الأتراب: فجمع تِرْب، يقال: فلانٌ تِرْبي إذا كنتما في سنٍّ واحدةٍ، فهنَّ مستوياتٌ في سنِّ الشباب، لم يُقصِّرْ بهنَّ الصغر، ولم يُزْرِ بهنَّ الكِبَرُ، بل سنُّهن سنُّ الشباب لأكمل الشبان.
وشبههنَّ تعالى باللُّؤْلُؤ المكنون، وبالبيض المكنون، وبالياقوت والمرجان؛ فخذ من اللؤلؤ صفاء لونه وحسن بياضه ونعومة ملمسه، وخذ من البيض المكنون — وهو المصون الذي لم تنله الأيدي — اعتدال بياضه وشوْبه بما يُحسِّنهُ من قليل صُفرةٍ، بخلاف الأبيض الأمهق المتجاوز في البياض، وخذ من الياقوت والمرجان حسن لونه في صفائه وإشرابه بيسيرٍ من الحمرة.
فصلٌ: في وصفهنَّ بخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم
فاسمع وصفهنَّ بخبر الصادق المصدوق، فإن مالت النفسُ وحدَّثتك بالخِطبة وإلا فالإيمان مدخول.
روى مسلمٌ في صحيحه من حديث أيُّوب عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا، وإما تذاكروا: الرجالُ أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه: أوَلَم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ أوَّل زُمرةٍ يدخلون الجنة على صورة القمر ليلةَ البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دُرِّي في السماء إضاءةً، لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان يُرى مُخُّ سُوقِهما من وراء اللَّحم، وما في الجنَّة عَزَبٌ».
وقال الطبراني في معجمه: حدَّثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي الفسوي قالا: حدَّثنا سعيدُ بن سليمان، حدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«أوَّلُ زُمرةٍ يدخلون الجنة كأنَّ وجوههُم صورة القمر ليلة البدرِ، والزُّمرة الثانية على أحسن كوكب دُرِّي في السماء، لكلِّ واحد منهم زوجتان من الحُور العين، على كُل زوجة سبعون حُلَّةً، يُرى مُخُّ سُوقهما من وراء لُحُومِهِمَا وحُللِهما، كما يُرى الشَّرابُ الأحمرُ في الزُّجاجة البيضاء».
قال الحافظُ أبو عبد الله المقدسي: هذا عندي على شرط الصَّحيح.
وفي الصَّحيحين من حديث هَمَّام بن مُنبِّه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أوَّلُ زُمْرةٍ تلِجُ الجنَّة صُوَرُهُم على صورة القمر ليلة البدْر، لا يبصُقُون فيها، ولا يمتخِطُون فيها، ولا يتغوَّطُون فيها، آنيتُهُم وأمشاطُهُمُ الذَّهبُ والفضَّةُ، ومجامِرُهُم الأَلُوَّة، ورشحُهُم المِسْك، ولكلِّ واحد منهم زوجتان، يُرى مخُّ ساقِهما من وراء اللَّحْم من الحُسن، لا اختلاف بينهُم ولا تباغُض، قُلُوبهم على قلب واحدٍ، يُسبِّحون الله بكرةً وعشيةً».
وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدَّثنا يونسُ بنُ محمد، حدَّثنا الخزْرَج بن عثمان السَّعديُّ، حدَّثنا أبو أيوب مولى عثمان بن عفان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«قِيْدُ سوْطِ أحَدِكُمْ في الجَنَّةِ خيْرٌ من الدُّنْيَا ومِثْلِها معَهَا، ولقَابُ قوسِ أحدِكُم من الجنَّة خيرٌ من الدُّنيا ومثلِها معها، ولنصيف امرأة من الجنَّة خيرٌ من الدُّنيا ومثْلِها معها».
قال الراوي: قلت: يا أبا هريرة! وما النَّصيف؟ قال: الخِمار. فإذا كان هذا قدْر الخمار، فما قَدْرُ لابِسِه؟!
وعن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ الرَّجُل في الجنَّة لتأتيه امْرأةٌ تضرِبُ على منكبه، فينظر وجهه في خدِّها أصفى من المرآة، وإن أدْنى لُؤلُؤة عليها لتُضيءُ ما بين المشرق والمغرب، فتسلمُ عليه، فيرد عليها السلام، ويسألها: من أنت؟ فتقول: أنا المزيدُ، وإنهُ ليكونُ عليها سبعون ثوبًا أدناها مثل النعمان، فينفُذُها بصرُه حتَّى يرَى مُخَّ ساقِها من وراء ذلك، وإن عليها التيجان، وإنَّ أدنى لُؤلُؤة عليها لتُضيءُ ما بين المشرق والمغرب».
وفي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«لغَدْوةٌ في سبيل الله أوْ روْحَةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوس أحدِكُم أو موضع قِيْدِه — يعني: سوطه — خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ولو اطَّلعت امرأةٌ من نساء الجنَّة إلى الأرض؛ لملأت ما بينهما ريحًا، وأضاءتْ ما بينهما، ولنصيفُها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها».
وفي المسند من حديث محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«للرَّجُلِ من أهل الجنَّة زوْجتان من الحُور العين، على كُلِّ واحدةٍ سبعون حُلَّةً، يُرى مُخُّ ساقها من وراء الثياب».
وقال الترمذي بسنده عن أبي سعيد الخُدريِّ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ أدْنى أهْل الجنَّة منزلةً الَّذي له ثمانُون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجةً، ويُنْصَبُ لهُ قُبَّةٌ من لُؤلُؤٍ وزبرْجَدٍ وياقُوتٍ كما بيْنَ الجابِية وصنْعاء».
وفي معجم الطبراني من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«خُلِق الحورُ العينُ من الزَّعْفَرانِ».
فصلٌ: في سماع غنائهنَّ
فإن أردت سماع غنائهنَّ؛ فاسمع خبره الآن. ففي معجم الطَّبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ أزْواج أهْلِ الجَنَّة ليُغَنِّين أزْواجَهنُ بأحْسَن أصْوَاتٍ ما سمعها أحدٌ قطُّ، إنَّ مِمَّا يُغَنِّينَ به: نحنُ الخيِّرَاتُ الحِسَانُ، أزواجُ قوم كرام، ينْظُرُون بقُرَّة أعيانٍ، وإنَّ مما يُغنِّين به: نحنُ الخالداتُ فلا نمُتْنَهْ، نحنُ الآمناتُ فلا نخفْنَهْ، نحنُ المُقيماتُ فلا نظعَنَّهْ».
وقد قيل في قوله تعالى:
{فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [الروم/١٥]
إنه السماع الطيبُ، ولا ريب أنه من الحبرة.
وقال عبد الله بن محمد البغوي بسنده عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى:
{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} [الزمر/٧٣]
حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرةً، يخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما فشربوا منها فأذهب الله ما في بطونهم من قذًى أو أذًى أو بأْس، ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم، ولم تتغيَّر أشعارُهم بعدها أبدًا، ولم تشعث رؤوسهم، كأنهم ادَّهَنُوا بالدِّهان.
ثم انتهوا إلى خزنة الجنة فقالوا:
{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر/٧٣]
ثم تلقَّاهم الولدان يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم عليهم من غيبته، فيقولون له: أبشر بما أعدَّ الله تعالى لك من الكرامة. ثم ينطلق غلامٌ من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحُور العين فيقول: جاء فلان — باسمه الذي كان يُدْعى به في الدنيا — قالت: أنت رأيتُهُ؟ قال: أنا رأيتُه وهو بِأَثري. فيستخفّ إحداهنَّ الفرحُ حتى تقومُ على أُسْكُفَّة بابها.
فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه، فإذا جندلُ اللؤلؤ فوقه صرحٌ أخضر وأحمرُ وأصفرُ من كل لون. ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق، ولولا أن الله عزَّ وجلَّ قدَّره لألمَّ أن يذهب بصره. ثم طأطأ رأسه، فإذا أزواجه وأكوابٌ موضوعة ونمارقُ مصفوفة وزرابيُّ مبثوثة، ثم اتكأوا فقالوا:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف/٤٣]
ثم ينادي منادٍ: تحيَوْنَ فلا تموتون أبدًا، وتقيمون فلا تظعنون أبدًا، وتصحُّون فلا تمرضون أبدًا.
وفي سنن ابن ماجه من حديث أُسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ألا هل مُشمِّرٌ للجنة! فإنَّ الجنة لا خطر لها، هي وربِّ الكعبة نُورٌ يتلألأُ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطّرد، وثمرةٌ نضيجة، وزوجةٌ حسناءُ جميلةٌ، وحُلَلٌ كثيرةٌ، ومقامٌ في أبَدٍ في دارٍ سليمةٍ، وفاكهة وخُضرةٍ، وحبْرةٍ ونعمةٍ، في محلَّةٍ عالية بهيَّةٍ». قالوا: نعم يا رسول الله! نحنُ المشمِّرون لها. قال: «قولوا: إن شاء الله». فقال القوم: إن شاء الله.
فصلٌ: في لذَّة وصالهنَّ
فهذا وصفُهنَّ وحسنُهنَّ، فاسمع الآن لذَّةَ وصالهنَّ وشأنه.
ففي مسند أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«والذي بعثني بالحقَّ! ما أنتم في الدُّنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكُم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخلُ رجُل منهمْ على ثنتين وسبعين زوجةً مما يُنشئُ الله، وثنتين من ولد آدم، لهما فضلٌ على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا، يدخلُ على الأُولى منْهُما في غُرفةٍ من ياقُوتةٍ، على سرير من ذهب مُكَلّلٍ باللُّؤْلُؤِ، عليه سبعون زوجًا من سُندُسٍ وإسْتَبْرقِ، وإنهُ ليضعُ يده بين كتفيها، ثُمَّ ينظرُ إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدُكم إلى السِّلك في قصبة الياقوت، كبدُهُ لها مرآةٌ وكبدُها له مرآةٌ، فبينا هُو عندها لا يملُّها ولا تملُّه، ولا يأتيها من مرةٍ إلا وجدها عذراء، ما يفتُرُ ذكرُه ولا تشتكي قُبُلها».
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ للمؤمن في الجنَّة لخيمةً من لُؤلؤةٍ واحدةٍ مُجَوَّفةٍ طولُها سِتُّون ميلًا، للمؤمن فيها أهلُون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضُهُم بعضًا».
وفي جامع الترمذي من حديث أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«يُعْطى المؤمنُ في الجنة قوَّةً كذا وكذا من النساء». قلت: يا رسول الله! ويطيقُ ذلك؟ قال: «يُعْطى قوة مئة».
قال الترمذي: هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ.
وفي معجم الطَّبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قيل: يا رسول الله! هل نَصِلُ إلى نسائنا في الجنة؟
فقال صلى الله عليه وسلم: «إي والذي نفسي بيده! إنَّ الرجل ليُفْضي في الغداة الواحدة إلى مئة امرأة عذراء».
قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: ورجالُ هذا الحديث عندي على شرط الصَّحيح.
وفي حديث لقيط العقيليِّ الطويل الذي رواه الطبراني وعبدُ الله بن أحمد في السُّنَّة وغيرهما: أنه قال: قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواجٌ مصلحات؟
قال صلى الله عليه وسلم: «الصالحاتُ للصالحين، تَلذُّوا بهنَّ مثل لذَّاتِكُم في الدنيا ويلذُّوا بكم، غير أنه لا توالُد».
وفي معجم الطَّبراني من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ أهل الجنَّة إذا جامعوا نساءهم عُدْنَ أبكارًا».
وفي المعجم أيضًا من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُئل: هل يتناكح أهل الجنة؟
فقال: «بِذَكرٍ لا يملُّ، وشهوة لا تنقطعُ، دحمًا دحمًا، ولكن لا منيَّ ولا منيَّة».
نظمٌ في وصف الحُور الحِسان
فيا خاطب الحُور الحسان وطالبًا … لوصالهنَّ بجنَّة الحيوان
لو كنت تدري من خطبت ومن طلبـ … ـت بذلتَ ما تحوي من الأثمان
أو كنت تدري أين مسكنها جعلـ … ـت السَّعي منك لها على الأجفان
أسرِعْ وحُثَّ السَّير جُهدك إنما … مسراك هذا ساعةٌ لزمان
فاعشق وحدّثْ بالوصال النفس وابْـ … ـذُلْ مهرَها ما دُمْت ذا إمكان
واجعل صيامك دون لقياها ويو … م الوَصْل يوم الفطر من رمضان
واجعل نعوت جمالها الحادي وسِرْ … نحو الحبيب ولست بالمُتواني
يا من يطوف بكعبة الحسن التي … حُفَّت بذاك الحِجْرِ والأركان
ويظلُّ يسعى دائمًا حوْل الصَّفا … ويحثّ من مسعاه كلَّ أوان
ويروم قُربان الوصال على مِنًى … والخَيْفُ يحْجُبه عن القُربان
فلذا تراه مُحرمًا أبدًا ومو … ضعُ حِلِّه منه فليس بدان
يبغي التمتُّع مُفرِدًا عن حبِّه … متجرِّدًا يبغي شفيع قِران
ويظلُّ بالجمرات يرمي قلبه … هذي مناسكُه بكل أوانِ
والنَّاسُ قد قَضَّوا مناسكَهم وقد … حَثُّوا ركائبهم إلى الأوطان
وحدتْ بهم هممٌ لهم وعزائمٌ … نحو المنازل ربَّة الإحسان
رُفِعتْ لهم في السَّيْر أعلامُ الوصا … ل فشمَّروا يا خيبة الكسلان
ورأوا على بُعدٍ خيامًا مُشرفا … تٍ مشرقاتِ النُّور والبُرهان
فتيمَّموا تلك الخيام فآنسوا … فيهنَّ أقمارًا بلا نُقصان
من قاصراتِ الطَّرْف لا تبغي سوى … محبوبها من سائر الشُّبَّانِ
قصَرتْ عليه طرفها من حُسْنِهِ … والطَّرْفُ منه مُطلقٌ بأمان
ويحار منه الطرفُ في الحسن الذي … قد أُعطيت فالطرفُ كالحيران
ويقولُ لمَّا أن يُشاهد حُسنها … سبحان مُعطي الحُسن والإحسان
والطرف يشربُ من كؤوس جمالها … فتراه مثل الشَّارب النَّشوانِ
كمُلتْ خلائقُها وأُكمِل حسنُها … كالبدْر ليل السِّتِّ بعد ثمانِ
والشمس تجري في محاسن وجهها … والليل تحت ذوائب الأغصان
فيظلُّ يَعجب وهو موضعُ ذاك من … ليل وشمس كيف يجتمعان
ويقول سبحان الذي ذا صنعُهُ … سبحان مُتْقِنِ صنْعة الإنسانِ
لا الليلُ يُدركُ شمسها فتغيب عنـ … ـد مجيئه حتَّى الصباح الثَّاني
والشَّمسُ لا تأتي فتُخفي الليلَ بل … يتصاحبان كلاهُما أخوانِ
وكلاهُما مرآةُ صاحبه إذا … ما شاء يُبصِرُ وجهه يريان
فيرى محاسن وجهه في وجهها … وترى محاسنها به بعيانِ
حُمْر الخُدود ثُغورُهنَّ لآلئٌ … سودُ العيون فواترُ الأجفانِ
والبرقُ يبدو حين يبسمُ ثغرُها … فيضيءُ سقف القصرِ بالجُدْرانِ
ريانةُ الأعطاف منْ ماء الشَّبا … ب فغصنُها بالماء ذو جريان
والقدُّ منها كالقضيب اللَّدْنِ في … حُسن القوام كأوسط القُضبانِ
لما جرى ماء النعيم بغُصنِها … حملَ الثمارَ كثيرةَ الألوانِ
فالوردُ والتفاح والرمّان في … غصنٍ تعالى غارسُ البستانِ
في مغرسٍ كالعاج تَحسبُ أنه … عالي النَّقا أو واحدُ الكُثْبان
لا الظَّهرُ يلحقُه وليس ثُديُّها … بلواحقٍ للبطن أو بدوانِ
لكنَّهنَّ كواعبٌ ونواهدٌ … فثُدِيُّهُنَّ كأحسن الرُّمانِ
والجيدُ ذو طولٍ وحُسنٍ في بيا … ضٍ واعتدال ليس ذا نُكران
يشكو الخَلِيُّ بِعادَه فله مدى … الأيام وسواسٌ من الهِجرانِ
والمِعْصمان فإن تشأْ شبِّهْهما … بسبيكتين عليهما كفَّانِ
كالزُّبْدِ لينًا في نعومة ملْمَسٍ … أصدافُ درٍّ دُوِّرت بوزانِ
والصَّدْرُ مُتَّسِعٌ على بطنٍ لها … والخَصْرُ منها مغرمٌ بثمانِ
وعليه أحسن سُرَّةٍ هي زينةٌ … للبطن قد غارت من الأعكان
حُقٌّ من العاج استدار وحشوهُ … حبَّاتُ مسكٍ جلَّ ذو الإتقان
فخذان قدْ حَفَّا به حرسًا لهُ … فجنابُه في عزَّةٍ وصيانِ
قاما بخدمته هو السُّلطان بيـ … ـنهما وحقٌّ طاعةُ السُّلطان
وهو المطاعُ إذا هو استدعى الحبيـ … ـبَ أتاه طوعًا وهو غيرُ جبانِ
وجماعُها فهو الشفاء لصبِّها … فالصَّبُّ منه ليس بالضَّجران
وإذا أتاها عادت الحسناء بِكْـ … ـرًا مثل ما كانت مدى الأزمانِ
يا ربِّ غفرًا قد طغت أقلامُنا … يا ربِّ معذرةً من الطُّغيان
أقدامُها منْ فضَّةٍ قد رُكِّبتْ … منْ فوقها ساقان ملتفَّانِ
والسَّاقُ مثلُ العاج ملمومٌ به … مخُّ العِظام تنالُه العينانِ
والرّيحُ مسْكٌ والجُسومُ نواعمٌ … واللونُ كالياقوت والمرْجانِ
وكلامُها يسبي العقول بنغمةٍ … زادتْ على الأوتار والعيدانِ
وهي العرُوب بشكلها وبِدلِّها … وتحبُّبٍ للزَّوْجِ كلَّ أوانِ
أترابُ سِنٍّ واحدٍ متماثلٍ … سنِّ الشَّباب لأجمل الشُّبَّانِ
بكرٌ فلم يأْخذ بكارتها سوى الـ … محبوب منْ إنسٍ ولا من جانِ
فاجمعْ قُواك لما هُناك وغُضَّ منـ … ـك الطَّرْف واصبرْ ساعةً لزمانِ
ما هاهنا والله ما يَسوَى قُلا … مة ظُفْرِ واحدةٍ من النِّسوانِ
ونصِيفُها خيرٌ من الدُّنيا وما … فيها إذا كانت من الأثمان
لا تؤثرِ الأدنى على الأعلى فإنْ … تفعلْ رجعْتَ بذلَّةٍ وهوانِ
وإذا بدت في حُلَّةٍ منْ لبسها … وتمايلت كتمايل النَّشوانِ
تهتزُّ كالغُصن الرَّطيب وحملُه … وردٌ وتُفّاحٌ على رُمَّانِ
وتبخترت في مشيها ويحقُّ ذا … ك لمثلها في جنَّة الحيوان
ووصائفٌ منْ خلفها وأمامها … وعلى شمائلها وعن أيمانِ
كالبَدْرِ ليلةَ تمِّه قدْ حُفَّ في … غَسَقِ الدُّجى بكواكب الميزان
فلسانُه وفؤادُه والطَّرْفُ في … دهشٍ وإعجابٍ وفي سبحانِ
تستنطقُ الأفواه بالتَّسبيح إذ … تبدو فسبحان العظيم الشَّانِ
والقلبُ قبل زفافها في عُرسه … والعُرْسُ إثرَ العُرْسِ مُتَّصلانِ
حتى إذا ما واجهتْه تقابلا … أرأيتَ إذ يتقابلُ القمرانِ
فسلِ المتَيَّمَ هل يَحِلُّ الصَّبْرُ عنْ … ضمٍّ وتقبيلٍ وعن فلتانِ
وسل المتيَّم أين خلَّف صَبْره … في أيِّ وادٍ أم بأيِّ مكانِ
وسلِ المُتيَّم كيف حالتُه وقدْ … مُلِئتْ له الأذُنان والعينانِ
منْ منطقٍ رقَّت حواشيه ووجْـ … ـهٍ كمْ به للشَّمسِ منْ جريان
وسلِ المُتيَّم كيف عيشتُه إذًا … وهما على فرشيْهما خِلْوانِ
يتساقطان لآلئًا منثورةً … منْ بَيْنِ منظومٍ كنظم جُمانِ
وسلِ المُتيَّم كيف مجلسُهُ مع الـ … ـمحبوب في رَوْحٍ وفي ريحانِ
وتدور كاساتُ الرَّحيق عليهما … بأكُفِّ أقمارٍ من الولدان
يتنازعان الكأْسَ هذا مرةً … والخَوْدُ أخرى ثُمَّ يتَّكئانِ
فيضمُّها وتضمُّه أرأيت معْـ … ـشوقين بعد البُعْدِ يلتقيانِ
غابَ الرَّقيبُ وغابَ كلُّ منكِّدٍ … وهما بثوبِ الوَصْلِ مُشْتملانِ
يا عاشقًا هانت عليه نفسُه … إذْ باعها غبْنًا بكل هوانِ
أترى يليقُ بعاقلٍ بيعُ الذي … يبقى — وهذا وصفُه — بالفاني؟!
📚كـتــاب: روضة المحبين ونزهة المشتاقين .

رد واحد على “[ رَوْضَةُ الأَشْوَاق في وَصْفِ نِسَاءِ الجَنَّة ]”
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة : ونسألك أن تدخلنا الجنة بغير حساب إنك على كل شيء قدير.
إعجابLiked by 1 person