لا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان، والراجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وكما أن الإيمان فرض على كل أحد، ففرض عليه هجرتان في كل وقت: هجرة إلى الله عز وجل بالإخلاص والتوحيد والإنابة والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة، وهجرة إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره، والتصديق لخبره، وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
وفرض عليه كذلك جهاد نفسه في ذات الله وجهاد شيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد عن أحد. وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصوده.
كمال جهاد النبي ﷺ وبداية هجرة الصحابة
أكمل الخلق عند الله عز وجل من كمَّل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد. ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه ورسله، فإنه كمَّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بُعِث إلى أن توفاه الله عز وجل، فإنه لما أنزل الله عليه: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} شمَّر عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتم القيام.
ولما أذِن رسول الله ﷺ للمسلمين في الهجرة إلى المدينة، بادر الناس إلى ذلك، فكان أول من خرج أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة، ولكنها احتبست دونه ومُنِعت من اللحاق به سنة وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة وشيَّعها عثمان بن أبي طلحة.
ثم خرج الناس أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا، ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي ــ أقاما بأمره لهما ــ، وإلا من احتبسه المشركون كَرهًا. وقد أعدَّ رسول الله ﷺ جهازه ينتظر متى يُؤمر بالخروج، وأعدَّ أبو بكر جهازه.
مؤامرة المشركين في دار الندوة
فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله ﷺ قد تجهَّزوا وخرجوا وحملوا وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج، عرفوا أن الدار دار مَنَعة، وأن القوم أهل حلقة وبأس وشوكة. فخافوا خروج رسول الله ﷺ إليهم ولحوقه بهم فيشتد عليهم أمره.
اجتمعوا في دار الندوة ولم يتخلف أحد من ذوي الرأي والحِجا منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم وليهم وشيخهم إبليس ــ لعنه الله ــ في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصمَّاء في كسائه.
فتذاكروا أمر رسول الله ﷺ، فأشار كل أحد منهم برأي، والشيخ يرده ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه رأي ما أراكم وقعتم عليه،
قالوا: ما هو؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلامًا نَهْدًا جَلْدًا ثم نُعطيه سيفًا صارمًا فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، ولا يمكنها معاداة القبائل كلها، ونسوق إليهم ديته.
فقال الشيخ: لله در الفتى! هذا والله الرأي. فتفرقوا على ذلك وأجمعوا عليه، وجاء جبريل بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة.
الإذن بالهجرة والخروج تحت رعاية الله
جاء رسول الله ﷺ إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها متقنعًا، فقال له: «أَخرِج مَن عندك»، فقال: إنما هم أهلك يا رسول الله، فقال: «إن الله قد أذن لي في الخروج»، فقال أبو بكر: الصحابةَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم»، قال أبو بكر: فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله ﷺ: «بالثمن».
وأمر النبي ﷺ عليًّا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة. واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون مِن صير الباب ويرصدونه يريدون بَيَاته، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها.
فخرج رسول الله ﷺ عليهم فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم وهم لا يرونه وهو يتلو: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}.
ومضى رسول الله ﷺ إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا، وجاء رجل فرأى القوم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا، قال: خبتم وخسرتم! قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم.
فلما أصبحوا قام عليٌّ عن الفراش، فسألوه عن رسول الله ﷺ، فقال: لا علم لي به.
اللجوء إلى غار ثور وفداء الصديق
مضى رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه، .
وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُريقِط الليثي، وكان هاديًا ماهرًا بالطريق وكان على دين قومه، فأمِناه على ذلك وسلَّما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ.
وجَدَّت قريش في طلبهما وأخذوا معهم القافة حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه.
وقد قال أبو بكر: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرَنا، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن، إن الله معنا»،
وكانا يسمعان كلام المشركين فوق رؤوسهما، ولكن الله سبحانه عمَّى عليهم أمرهما. وكان عامر بن فهيرة يرعى عليهما غنمًا لأبي بكر، ويتسمَّع ما يقال بمكة ثم يأتيهما بالخبر، فإذا كان السحر سرح مع الناس.
وقد جهزتهما أسماء بنت أبي بكر أحَثَّ الجهاز، فوضعت لهما سفرة في جراب، وقطعت قطعة من نطاقها فأوكت به الجراب، وقطعت الأخرى فصيَّرتها عصامًا لفم القربة، فبذلك لُقِّبت بـ “ذات النطاقين”.
وفي الطريق إلى الغار، كان أبو بكر يمشي ساعة بين يدي النبي ﷺ وساعة خلفه، فسأله النبي عن ذلك فقال: يا رسول الله، أذكر الطَّلَب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرَّصَد فأمشي بين يديك، فقال: «يا أبا بكر، لو كان شيء، أحببتَ أن يكون بك دوني؟» قال: نعم والذي بعثك بالحق.
ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانَك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل واستبرأه وتأكد من سلامة جُحوره، ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل.
في طريق المدينة وقصة سراقة بن مالك
مكثا في الغار ثلاث ليالٍ حتى خَمَدت عنهما نار الطلب، فجاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين فارتحلا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهَيرة، وسار الدليل أمامهما، وعين الله تكلؤهما وتأييده يَصْحَبُهما.
ولما يئس المشركون من الظفر بهما، جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما، فجدَّ الناس في الطلب.
ولما مرَّ النبي وصاحبه بحي بني مدلج مُصْعِدين من قُدَيد، بصر بهم رجل من الحي فأخبرهم أنه رأى ركبًا يظنهم محمدًا وأصحابه. ففطن سراقة بن مالك للأمر وأراد أن يكون الظفر له خاصة، فغالط الرجل وقال: بل هما فلان وفلان، ثم أمر خادمه أن تخرج بفرسه سرًا وتنتظره وراء الأكمة.
أخذ سراقة رمحه ولحق بهم. ولما قَرُب منهم وسمع قراءة رسول الله ﷺ ــ وأبو بكر يُكثر الالتفات والنبي لا يلتفت ــ قال أبو بكر: يا رسول الله، هذا سراقة بن مالك قد رَهِقَنا. فدعا عليه رسول الله ﷺ فساخت يدا فرسه في الأرض، فأدرك سراقة أن هذا ببركة دعائهما، فطلب منهما الدعاء له بالنجاة وعاهدهما أن يرد عنهما الطلب.
دعا له النبي ﷺ فأُطلِق، وسأل سراقة كتاب أمان، فكتب له أبو بكر في أديم، وعرض عليهما الزاد فرفضا وقالا: كُفَّ عنا الطلب. فرجع سراقة، وكلما وجد أحدًا يبحث عنهما قال له: قد استبرأت لكم الخبر، وقد كفيتم ما هاهنا؛ فكان في أول النهار جاهدًا في طلبهما، وفي آخره حارسًا لهما.
📚كـتــاب: زاد المعاد ⚖️
