المنافقون

#المنافقون

مثل المنافقين بين نور الإيمان وظلمات النفاق

قال الله تعالى في مطلع سورة البقرة بعد أن بيَّن صفات المؤمنين والكافرين:

{مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ۝ صُمٌّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ}

🔹 أولًا: تصوير حال المنافقين في ضوء هذا المثل

ضرب الله جل جلاله للمنافقين هذا المثل البديع العجيب، يُبيّن فيه أنهم كانوا قد شاهدوا نور الهداية في ظاهر أمرهم حين قالوا بألسنتهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، فاستضاءوا بذلك النور كما يستضيء المستوقد بالنار.

لكن لما لم يكن إيمانهم نابعًا من قلوبهم، ذهب الله بنورهم أي سلبهم حقيقة الإيمان وتركهم في ظلمات النفاق والجهل والحيرة، لا يبصرون حقًا ولا يهتدون سبيلًا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما:

“هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا على هدى ثم تركوه، وأبصروا ثم عموا، وسمعوا ثم صمّوا.”

وقال قتادة رحمه الله:

“استوقدوا نارًا من المؤمنين، فانتفعوا بها زمانًا يسيرًا، ثم ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلماتٍ لا يُبصرون.”

🔹 ثانيًا: معنى قوله تعالى {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ}

لم يقل: ذهب الله بنارهم، بل قال: بنورهم، لأن النار فيها نور وحرارة، فذهب الله بنور الإيمان وأبقى عليهم حرارة الشك والحيرة والاضطراب.
وهذا من أدقّ التعابير القرآنية، إذ دلّ على أنهم فقدوا الضياء الذي يهدي، وبقوا في لهيب يضرب قلوبهم بالخوف والقلق.

🔹 ثالثًا: المثل الثاني للمنافقين

قال تعالى بعدها مباشرة:

{أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٞ وَرَعْدٞ وَبَرْقٞ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ۝ يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ}

هذا مثلٌ آخر لحالهم مع الوحي.
فالوحي كـ”الصيّب” من السماء، يحمل الخير والهدى، لكنه يخيف المنافقين كما تخيفهم الصواعق والرعد، فيسدّون آذانهم عنها حتى لا يسمعوا الحق.

قال السدي رحمه الله:

“الصيّب هو المطر، والظلمات: الكفر والنفاق، والرعد: الوعيد، والبرق: النور الذي يُريهم الحق فيخافون منه.”

وقال ابن القيم رحمه الله:

“كلما لاح لهم برق الإيمان مشوا معه قليلًا، فإذا أظلمت قلوبهم بالنفاق وقفوا؛ فهُم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.”

🔹 رابعًا: السنة النبوية تؤكد هذا المعنى

قال النبي ﷺ:

«مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة»
— رواه مسلم

أي لا يثبت على حال، ولا يسكن على طاعة، بل قلبه مضطرب كاضطراب البهيمة التائهة بين القطيعين.

وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال:

«أربعٌ من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»

وهذه الصفات هي ظلمات النفاق التي تركهم الله فيها لا يبصرون.

🔹 خامسًا: أثر هذه الأمثال في بيان عدل الله

إن الله سبحانه لم يظلمهم، بل هم الذين أظلموا قلوبهم بإعراضهم عن النور الذي أضاء لهم.
قال تعالى:

{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}
{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
فالنور لا يُنتزع إلا ممن أعرض عنه، والظلمة لا تُلقى إلا على من اختار طريقها.
🔹 سادسًا: تأمل ختام المثلين

الأول ختمه بقوله:

{فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}
أي لا يعودون إلى الحق بعد أن فقدوه.

والثاني ختمه بقوله:

{إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ}
أي قادر على أن يسلب سمعهم وبصرهم كما سلب قلوبهم.

فالأول وصف ثباتهم على الضلال، والثاني وصف قدرة الله عليهم إن شاء أعمى بصائرهم وأبصارهم معًا.
🌿 خاتمة

هذه الأمثال القرآنية ليست لمجرد الزخرف اللفظي، بل هي مرايا تعكس قلوب الناس؛ فكل مؤمن يقرأها يفتش في قلبه:
هل فيه نورٌ يستضاء به؟
أم ظلمة نفاقٍ تَخفى في دخيلة نفسه؟

قال الحسن البصري رحمه الله:

> “النفاق نفاقان: نفاقٌ كان على عهد رسول الله ﷺ فذاك الذي يخرج من الملة، ونفاقٌ في العمل، وهو أخوف ما نخاف على المؤمنين اليوم.”

نسأل الله جلّ في علاه أن يثبت قلوبنا على نوره، وأن لا يذهب بنور الإيمان من صدورنا، وأن يجعلنا من الذين إذا أضاء لهم مشوا في هدى الله، لا من الذين أظلمت قلوبهم فوقفوا في ظلمات لا يبصرون.


اكتشاف المزيد من جوامع الكلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق